جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 28/ 01 / 1425هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

 قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ  (سورة السجدة ، الآية رقم 24).
المفكرة الشيعية:
يحمل المسلم الشيعي في ذاكرته تقويماً مقدساً لمجموعة من الأحداث والمناسبات المهمة التي يجسد من خلالها أهم المناسبات التاريخية في حياة أئمة أهل البيت ويستجلي من خلالها الرؤى والأفكار التي تتضمنها هذه المناسبات التي تمثل المسيرة الواقعية للإسلام وإشراقة مهمة للمسلمين عندما يدرسون حياتهم دراسة واعية ويتفاعلون معها بانفتاح لأنهم الأعلام لهداية الأمة والمصابيح لإنارة الطريق والأدلاء على مرضاة الله والسابقون إلى قمم الكمال الإنساني.
لقد حفلة حياتهم بأنواع الجهاد والصبر وتحملوا الأذى والظلم وضربوا أمثلة على الصمود والكفاح من أجل توعية الأمة وتثقيفها حتى اختارهم الله إلى جواره وفازوا بلقائه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.
الإمام العليل :
الإمام علي بن الحسين السجاد هو رابع أئمة أهل البيت عليهم السلام. ولد عليه السلام في سنة 38 للهجرة حيث ترعرع في كنف جده أمير المؤمنين وترعرع في مدرسة عمه الحسن وأبيه الحسين وارتوا من نمير علومهم واستقى من ينابيع حكمتهم وبرز على الصعيد العلمي إماماً في الدين ومناراً في العلم ومرجعاً في الأمة ومثلاً أعلى في الورع والعباده عايش حادثة كربلاء وما حملتها من آلام وأحداث جسام. كان عليه السلام يرقب الأحداث ونتائجها حيث اقتضة الحكمة الإلهية أن يكون مريضاً مقعداً لا يقوى على القتال والمشاركة في واقعة كربلاء ولكن لا يعني ذلك أنه لم يشارك بالكلمة والنصيحة وبالوسائل المتاحة له والتي استطاع من خلالها أن يعيش الحدث بكل تفاصيله وأبعاده وأن يتحمل المصاب والمشقة وأن يكمل المسيرة بعد الواقعة وأن يجابه الظلمة والطغات من خلال حركة ومسيرة السبايا في الكوفة والشام وهو الذي خطب تلك الخطبة العصماء في مجلس يزيد والتي عرَّا فيها بني أمية وكشف القناع عن وجههم القاتم واستطاع أن يقلب الموازين رأساً على عقب ويوضح للناس فلسفة النهضة الحسينية وحقيقتها بعد أن زيفها بنو أمية .
الإمام المربي:
كانت سياسة الظالمين من بني أمية تفضي إلى إشاعة أجواء الغناء واللهو والترف في أوساط الناس ، كي ينصرفوا عن التفكير في قضاياهم المصيرية ، وممارسات الخلفاء العابثة ، فتحولت بسبب ذلك المدينتان المقدستان مكة والمدينة إلى مواطن للمغنين والمغنيات. وحاول الإمام (ع) أن يخفف من طغيان هذا الجو المادي بتوجيه المسلمين وتعميق ارتباطهم بالله والقيم والأحكام الإسلامية ، فاستخدم الدعاء كوسيلة تربوية وإصلاحية ، تبدأ بتطهير الذات من الداخل لتتجسد في الخارج واقعا وسلوكا نظيفا ونافعا . فأثار في أدعيته المباركة كل القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع إذ عَلَّم المسلمين كيف يمجدون الله ويحمدونه وكيف يتطهرون بالتوبة من ذنوبهم وكيف يتعاملون مع الآخرين وكيف يمسكون بفاضل الأعمال والواجبات. وكذلك إيصال الفكر الإسلامي الأصيل إلى القلوب الواعية من خلال ما سطره من أدعية وكلمات في الصحيفة السجادية والتي عالج فيها جوانب كثيرة من شئون الحياة في مجالاتها المختلفة الاجتماعية والثقافية والروحية والسياسية
منقذ الأمة:
يقول المفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر عليه الرحمة كانت الأمة تؤمن به مرجعا وقائدا ومفزعا في كل مشاكل الحياه وقضايها بوصفه امتداد لاباءه الطاهرين ومن أجل ذلك نجد أن عبد الملك حينما اصطدم بملك الروم وهدده الملك الروماني باستغلال حالة المؤمنين إلى استيراد نقودهم من بلاد الرومان لإذلال المسلمين وفرض الشروط عليهم وقف عبدالملك متحيرا وقد ضاقت به الأرض كما جاء في الرواية وقال أحسبني أشئم مولود ولد في الإسلام وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأي يعمل به فقال له القوم إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر فقال ويحكم من قالوا الباقي من أهل بيت النبي (ص) قال صدقتم وهكذا كان فقد فزع إلى الإمام زين العابدين فأرسل عليه السلام ولده محمد بن علي إلى الشام وزوده بتعليماته الخاصه فوضع خطة جديده للنقد الإسلامي وأنقذ الموقف. انتهى كلامه.
وبذلك يتضح لنا جليا مدى تقدير الأمة لشخصية الإمام عليه السلام ومعرفتهم بمقامه العلمي والسياسي حيث رجعوا إليه في أحلك ظرف واجهته الخلافة الإسلامية مع تقديرهم أن الإمام من المناوئين لخلافة بني أمية وأن الإمام لم ينظر إلى القضية بمنظار شخصي وإنما غلب المصلحة العامة بإنقاذ الموقف والخروج من المأزق الذي يهدد الكيان الإسلامي للدولة الأموية.

وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة