جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة - بمناسبة عيد الغدير 1424 هـ

كلمة الجمعة الموافق 21 / 12 / 1424 هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : ((  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ))
يمثل حدث الغدير في تاريخ المسلمين مرحلة من أهم المراحل التي عايشها المسلمون في تاريخهم وإبّان مسيرتهم الخالدة وذلك لأن الغدير هو المرحلة الفاصلة في تاريخ الإسلام عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يتمم هذه الرسالة بذلك الحدث المهم حيث أعد الله سبحانه وتعالى القيادة الجديدة لقيادة المجتمع والرسالة الإسلامية وصيانتها من الإنحراف والزيغ ولقد أعدّ النبي (ص) علياً (ع) ليتسلم زمام الأمر من بعده من خلال إشراكه في كل المواقف المهمة والمعقدة والصعبة ومن خلال إعداده وتثقيفه ثقافة خاصة لم يشاركه أحد فيها .

كان علي (عليه السلام) يتمتع بمؤهلات ولياقات عالية أهلته أن ينال ثقة النبي المطلقة وما أن مضت فترة على الدعوة الإسلامية حتى أعلن النبي (ص) اتخاذه علياً أخاً ووزيراً في دعوته واستمرت هذه المؤازرة إلى آخر مرحلة من مراحل الدعوة مما هيّاً الأرضية لإعلان الغدير حين وقف النبي (ص) ليعلن للملأ أنه سيغادر الدنيا ويخلف في الأمة قائداً واعياً وخليفة يستطيع أن يتحمل عبئ الرسالة وقيادة المسيرة ولينادي في الناس أن هذا التنصيب صادرٌ عن الله تعالى وتمت بيعة الناس لعلي (ع) بإمرة المؤمنين ونزول الوحي الإلهي لإبلاغ تمام النعمة وكمال الدين .

موقفنا من الغدير :
تناولت جملة من الروايات حدث الغدير أنه من أهم الفروض الإلهية التي فرضها الله على عباده وتناولت هذه الروايات مسألة الغدير من خلال وعي الأمة بثقافة الغدير وما يمثله في تاريخها من حدثٍ مكملٍ للدين ومتمم للرسالة ، من هذه الروايات م ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال لمن حضره من مواليه وشيعته : (( أتعرفون يوماً شيّد الله به الإسلام وأظهر به منار الدين وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا فقالوا الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، أيوم الفطر هو يا سيدنا ، قال : لا ، قالوا أفيوم الأضحى هو ، قال : لا ، وهذان يومان جليلان شريفان ويوم منار الدين أشرف منهما ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وأن رسول الله (ص) لما انصرف من حجة الوداع وصار بغدير خم ، أمر الله عز وجل جبرئيل ان يهبط على النبي وقت قيام الظهر من ذلك اليوم وأمره أن يقوم بولاية أمير المؤمنين وأن ينصبه علماً للناس بعده وأن يستخلفه في أمته فهبط إليه وقال له : حبيبي محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك قم في هذا اليوم بولاية علي ليكون علماً لأمتك بعدك يرجعون إليه ويكون لهم كما كنت ، فقال النبي (ص) حبيبي جبرئيل إني أخاف تغير أصحابي لما قد وتروه وأن يبدو ما يضمرون فيه ، فعرج وما لبث أن هبط بأمر الله فقال له : (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل أليك من ربك ... )) .
وفي بعض الروايات عنهم (ع) يعطون الغدير منزلةً تترقى لأن تكون من أهم ما يرتكز عليه هذا الدين وذلك ما روي عن الإمام الباقر (ع) قال : (( إن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالصلاة في كتابه فلم يدروا بالصلاة ولا كيف يصلون فأمر الله عز وجل محمد نبيه أن يبين لهم كيف يصلون فأخبرهم بكل ما افترض الله عليهم من الصلاة مفسراً ، وأمر بالزكاة فلم يدروا ما هي ففسرها رسول الله (ص) وأعلمهم بما يؤخذ منه الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزرع ولم يدع شيئاً مما فرض الله من الزكاة إلا فسره لأمته وبينه لهم ، وفرض عليهم الصوم فلم يدروا ما الصوم ولا كيف يصومون ففسره لهم رسول الله (ص) وبين لهم ما يتقون في الصوم وكيف يصومون ، وأمر بالحج فأمر الله نبيه (ص) أن يفسر لهم كيف يحجون حتى أوضح لهم ذلك في سنته ، وأمر الله عز وجل بالولاية فقال : (( إنما وليكم الله ورسوله ... )) ففرض الله ولاية ولاة الأمر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله نبيه (ص) أن يفسر لهم ما الولاية مثلما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله عز وجل ضاق به رسول الله (ص) ذرعاً وتخوف أن يرتدوا عن دينه وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه فأوحى إليه : (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ... )) فصدع بأمر الله وقام بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله علي يوم غدير خم ، ونادى لذلك الصلاة جامعة ، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب )) . ( دعائم الإسلام 1-14)

الغدير مرحلة التغيير :
إن من أهم الأهداف التي رسمتها الرسالة الإسلامية تغيير الواقع الإجتماعي الجاهلي فلابد أن تلاحظ هذا الواقع ملابساته ورسوباته وتخطط للتغيير الشامل على المدى القريب والبعيد معاً وهكذا كان فقد رسمت الرسالة الخط الطبيعي الذي يفرضه المنطق التشريعي للمسيرة الإسلامية الرائدة حيث تجلى ذلك في إرجاع الأمة فكرياً وسياسياً للأئمة المعصومين من كل رجس جاهليبعد أن نصب النبي علياً في غدير خم أميراً للمؤمنين وأحكم له الأمر بأخذ البيعة له من عامة المسلمين ولكن للأسف اصطدم هذا التخطيط الرائد بواقعٍ كان متوقعاً وبتيارٍ جارف يعود إلى نقصان الوعي عند الأمة حيث لا زالت تعيش عهدها الجاهلي القريب فتآمرت من خلف الستار لتغير مسيرة النبي (ص) وحدث الغدير فأجهضت السقيفة ذلك التخطيط الرائد حينما وجدت أن الساحة قد خلت من النبي (ص) فدبرت المؤامرة التي تنبأ بها القرآن (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل )) .

لقد تأخرت الأمة كثيراً ورجعت إلى ماضيها المتخلف عندما بدلت ما رسمه النبي (ص) لمستقبلها الواعد وذلك لو استطاعت أن تأخذ بزمام أمرها وقيادتها العظيمة المتمثلة في شخصية علي بن أبي طالب (ع) ذلك العملاق الذي جهله الكثيرون ولم يصلوا إلى كنه معرفته والاستفادة من معطياته وعلومه ففي هذا العصر الحاضر قررت جمعية الأمم المتحدة اتخاذ وثيقة من أهم الوثائق الموروثة من تراث علي وذلك عندما رسم هيكلية الدولة الإسلامية في عهده لمالك الأشتر والتي استطاع (ع) أن يضع فيها جملة من الموازين الراقية في العدالة الاجتماعية المثلى فكانت هذه الوثيقة من أهم الوثائق التي اعتمدتها جمعية الأمم المتحدة في العام المنصرم فهاهو الغرب يستفيد من تراث علي (ع) وسياسته العادلة في الوقت الذي نشاهد فيه المسلمين وهم بعيدون كل البعد عن هذه المعطيات الخالدة التي تركها صوت العدالة الإنسانية علي بن أبي طالب (ع) ، وما أجمل ما قال بولس السلامة الشاعر المسيحي :
جلجل الحق في المسيحي حتى *** عدّ من فرط حبه علويا
أن من يعشق البطولة والإلهام *** والعدل والخلاق السويا
فإذا لم يكن عليٌ نبيا *** فلقد كان خلقه نبويا
يا سماء اشهدي ويا أرض *** خري واخشعي إنني ذكرت عليا

نسمع بين الآونة والأخرى من يتخوف من الانتخابات التي دعا إليها المرجع الأعلى في العراق آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه الله من وصول الشيعة إلى حكم العراق ولا أدري لماذا يتخوفون من الشيعة وهم الذي انتابهم الظلم والقهر منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما .
الشيعة ليسوا مصاصي دماء ولا من طالبي الحكم والسلطان إنما يريدون أن يعيشوا مع الآخرين وحقوقهم محفوظة وهم لا يطلبون أكثر من دولة يتساوى فيها الشيعي والسني على حد سواء ، نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الحق والصواب ، والحمد لله رب العالمين .


جاروديات : كلمة الجمعة