كلمة الجمعة الموافق 24
كلمة الجمعة
الموافق 24 / 11 / 1424 هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي
المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى :
(( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ )) سورة
الحج ، آية 27
يشهد العالم
الإسلامي في هذه الأيام المباركة أكبر مؤتمرٍ عالميٍّ في رحاب المشاعر المقدسة الذي
يجتمع فيه المسلمون قاطبةً من جميع أنحاء المعمورة على اختلاف أجناسهم وألوانهم
ولغاتهم تجمعهم ( وحدة العبادة ووحدة الديانة ) وبهذه
المناسبة نقف على جملةٍ من الأسرار الإلهية العميقة والمعاني العظيمة لعبادة ( الحج
) لما لها من الآثار الروحية والاجتماعية والسياسية والأبعاد المهمة التي تكشف لنا
جملةً من الأسرار والمصالح الغائية لأفعال الحج والتي لخّصها الإمام زين العابدين
(عليه السلام) في حديثٍ طويل نذكر بعضاً منها .
لما رجع زين
العابدين (ع) من الحج استقبله الشبلي فقال (عليه السلام) له : ((
حججت يا شبلي ؟ )) ، قال : نعم يا بن رسول الله (ص)
، فقال (عليه السلام) : (( أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط
الثياب واغتسلت ؟ )) ، قال : نعم ، قال (عليه السلام) : ((
فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية ولبست ثوب
الطاعة ؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) : (( فحين تجردت عن
مخيط ثيابك ونويت أنك تجردت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات ؟ )) ، قال
: لا ، قال (ع) : (( فحين اغتسلت نوين أنك اغتسلت من الخطايا
والذنوب ؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) : (( فما نزلت
الميقات ولا تجردت عن مخيط الثياب ولا اغتسلت ! )) ، ثم قال (ع) : ((
فنظفت وأحرمت وعقد بالحج ؟ )) ، قال : نعم ، قال عليه
السلام : (( فحين تنظفت وأحرمت وعقدت الحج نويت أنك تنظفت
بنور التوبة الخالصة لله تعالى ؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) : ((
فحين عقد الحج نويت أنك قد حللت كل عقدٍ لغير الله ؟
)) ، قال : لا ، قال (ع) له : (( ما تنظفت ولا أحرمت ولا
عقدت الحج ! )) ، قال له (ع) : (( أدخلت الميقات وصليت ركعتي الإحرام ولبّيت ؟
)) ، قال : نعم ، قال (ع) : (( فحين دخلت الميقات نويت أنك
بنية الزيارة ؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) : (( فحين
صليت الركعتين نويت أنك تقربت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة وأكبر حسنات العباد
؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) : (( فحين لبيت أنك نطقت لله
سبحانه بكل طاعة وصمت عن كل معصية ؟ )) ، قال (ع) : ((
فحين أحرمت نويت أنك
حرمت على نفسك كل محرم حرّمه الله عز وجل ؟ )) ، قال : لا ، قال (ع) له : ((
ما دخلت الميقات ولا صليت ولا لبّيت )) .........
إلىآخر الحديث .
وبعد أن بيّن له
الإمام أسرار هذه العبادة والحكمة من تشريعها والمصلحة منها طفق الشبلي يبكي على ما
فرّط في حجّه وما زال يتعلم حتى حج من قابل بمعرفةٍ ويقين .
إن من أهم الأهداف
التي توخّاها المشرّع من هذه العبادة هي تربية النفوس وتهذيب الأخلاق وتقويم أسس
التقوى والإخلاص حيث أن الحج المقبول عند الله يوجب تساقط
الذنوب وخروج الإنسان إلى الحياة من جديد كما ورد في الحديث : عن الإمام
الصادق (ع) عن النبي (ص) أنه قال : (( من أمّ هذا البيت
حاجّاً أو معتمراً مبرّءاً من الكبر رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه ))
وهذا دليل على تأثير الحج في صفاء ونقاء وطهارة الروح وإزالة الذنوب من النفس
الإنسانية ولا يتأتى إلا عندما يدرك الحاج أبعاد وأسرار هذه المناسك التي يؤديها
بصورةٍ دقيقة ، فالحج هو فرصة الإنسان المسلم التي يرجع من خلالها إلى خالقه سبحانه
وتعالى والإنابة إليه والتوبة من كل ذنبٍ اقترفه فتسبب في انحرافه وانزلاقه مما أدى
إلى ارتكاسه في الرذيلة ومخالب الشيطان فقد تظافرت الروايات بأن فريضة الحج هي
الوسيلة لصفاء النفس وطهارتها من كلّ شائبة أدّت إلى خروج الإنسان عن إنسانيته التي
من أجلها خلقه الله سبحانه وتعالى ، قال الإمام الصادق (ع) : ((
الحاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم وإن دعوه أجابهم
وإن شفعوا شفعهم وإن سكتوا أبراهم ويعطون بالدرجة ألف وألف درجة )) .
وللحج
أبعادٌ مهمّة لابد للمسلمين من إدراكها وبلورتها على الواقع فإن اجتماع ذلك العدد
الكبير من المسلمين عند البيت المعظم هو خير فرصة للمسلمين كي يستعيدوا فيه قوتهم
وينظموا فيه صفوفهم ويعيدوا فيه بناء قوتهم ويجسدوا فيه وحدتهم لإبطال مؤامرات
أعداء الأمة حيث أن ذلك الإجتماع يشكل شوكةً في قلوب الحاقدين والمتربصين من
الصهاينة والمستعمرين ، لابد على المسلمين أن يدركوا عمق
المسؤولية في هذا الإجتماع ولا يكتفوا بالظواهر العبادية البحتة فنحن نرى في الوقت
الحاضر كيف تخوف الغرب عندما اجتمعت الأمة تحت راية المرجعية في العراق وخرجت في
الشوارع لتأييد المرجعية في مشروعها الراهن الذي دعا إليه سماحة آية الله العظمى
السيد السيستاني حفظه الله الذي أصرّ على أن يقرر الشعب العراقي المسلم مصيره بيده
من دون أن يتدخل الأجنبي في تقرير مصيره والتصرف في مقدراته ، لقد أعطى
السيد السيستاني بهذا الموقف العظيم درساً بالغاً للغرب وهو أن الأمة إذا اجتمعت
وتناست خلافاتها يمكن لها أن تحقق قوةً واقعية على أرض الواقع يحسب لها الأعداء ألف
حساب .
وفي
الوقت الذي نشيد فيه بهذا الموقف ندعوا الجميع إلى الإلتفات إلى أولئك المتربصين
بنا الدوائر والذين يطلقون كلمات التكفير على المسلمين بين الآونة والأخرى
فقد ظهر على الجزيرة في اليومين الماضيين من كفّر الشيعة
والذي في الوقت نفسه يجتمع فيه معه المتحاورين ليخرج بعد ذلك على شاشة هذه الفضائية
عن صمته ويطلق كلمات التكفير ، إننا نستنكر ذلك ونطلب من الجميع شجب هذا التصرف
الشاذ الذي يريد أن يفرّق وحدة البلاد والعباد .
وفي
الختام نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الخير والصلاح إنه أرحم الراحين .