كلمة الجمعة - مسجد الحصمية - 17 - 11 - 1424 هـ
كلمة الجمعة الموافق 17 / 11 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) :
(( من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان :
آيةً محكمة وأخاً مستفاداً وعلماً مستفرطا ورحمةً منتظرة وكلمةً تدلّ على الهدى أو
تردّه عن ردى وترك الذنوب حياءاً أو خشيةً )) .
الحديث عن رسالة المسجد ودوره في ريادة المجتمع وثقافة
الأمة من المواضيع المهمّة في وقتنا الحاضر وخصوصاً أننا نواجه غزواً ثقافياً
واجتماعياً أخذ يتّسع شيئاً فشيئاً ليحدث شرخاً في الواقع الإسلامي لا يمكن معالجته
إلا إذا رجعنا إلى أصالتنا الدينية وثقافتنا الإسلامية
، ومن هنا لابد وأن نفعّل الدور الريادي للمسجد من خلال تفعيله
اجتماعياً وثقافياً .
ثقافة المسجد :-
يعتبر المسجد من أهم الروافد الثقافية في الإسلام
، حيث يستسقي المسلمون تعاليم دينهم من المساجد التي لا يقتصر دورها على الجانب العبادي
فقط ، لأن المسجد مدرسة متكاملة له دوره البارز في تثقيف الأمة وبثّ الوعي فيها وتنمية
الجانب العلمي والثقافي من خلال تفعيل رسالة المسجد التي وجد من أجلها ويظهر ذلك جليا
من خلال تتبع تاريخ المسجد في الإسلام بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآل وسلم) إلى
المدينة وبناء أول مسجد في الإسلام (قباء) الذي نزل فيه قوله تعالى : ((
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
)) التوبة 108 .
لقد انطلق النبي (ص) بالأمة وحرّك فيها الوعي وبثّ
فيها التعاليم الإلهية والأحكام الربانية من خلال ذلك الصرح
الإسلامي الخالد في مسجده العظيم واستطاع أن يبرز دور
المسجد ورسالته وكان من الروافد الثقافية والعلمية في تاريخ المسلمين إلى هذا
اليوم ، حيث شهدت بعض الحواضر العلمية مساجد أدت دوراً بارزاً من خلال تزويد المجتمعات
بالمعرفة والعلم وشكّلت صمّام الأمان لأبنائها من الإنحراف والضياع .
ويبرز ذلك بالإرتياد على المساجد وإحيائها في مقابل خطر التخلف عنها وهجرانها وهو
ما ابتلت به الأمة من دون أن تشعر بعواقبه الوخيمة .
ولابد علينا أن نميّز بين ثقافة المسجد وثقافة الشارع
، فالمسلم عندما يلتزم بالمسجد حيث يحتاج إليه لأنه المكان المناسب الذي يخلو فيه مع
خالقه فتتكامل علاقته الروحية بالله سبحانه وتعالى في ممارسة العبادة والتي تهذّب الإنسان
وتقتلع منه جذور الشر وتغرس فيه ملكات الخير بما تملي عليه من دروس حيّة وتعاليم راقية
فيتكامل روحياً وأخلاقياً لينطلق مع سمو الروح وسلاح المعرفة التي تزودها من ثقافة
المسجد التي صاغته صياغةً إسلاميةً ربانيةً في السير والسلوك ليأخذ دوره في واقعه الاجتماعي
ليتميز عن غيره من أولئك الذين حرموا أنفسهم من هذه النعمة الربانية وتأثروا بثقافة
الشارع والتي برزت جليّاً في تصرفاتهم وكلماتهم وملابسهم مما أدى إلى تبلور هذه الثقافة
مجتمعاتنا وخصوصاً بين شبابنا الذي عاش هذه السطحية من الثقافة ، وهذا ما نصطلح عليه
بـ (ثقافة الشارع) .
مكتسبات المسجد :-
1. الثقافة القرآنية : وتتجلى في وعي الإنسان
المسلم وتدبره في آيات القرآن الكريم الذي هو من أهم الأمور والطقوس الدينية التي يؤديها
الإنسان في المسجد فعندما يشتغل الإنسان بقراءة القرآن قراءةً واعية تتحرك في روحه
تعاليمه الإلهية بحيث ينصرف عن الأمور الجانبية والأحاديث الدنيوية التي لا تعود عليه
بالنفع لذا مطلوب من الإنسان المسلم التدبر في آفاق القرآن والتمعّن في إرشاداته ونصائحه
وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله (آيةً محكمة) .
2. الثقافة الشرعية : يمثل الفقه الإسلامي الجانب
التشريعي الإلهي في الإسلام الذي هو مجموعة من المفاهيم والأحكام الإلهية في أمور الحلال
والحرام ومسائل العبادات والمعاملات ولابد للإنسان المسلم أن يتزود بهذه الثقافة الفقهية
التي يمكن أن يتحصل عليها من خلال تردده على المسجد لذا نجد الذين يترددون على المساجد
أكثر وعياً وثقافةً في هذه الجوانب من غيرهم ، ويعتبر المسجد رافد فقهي ومعرفي في المجتمع
الإسلامي .
3. العلاقة الإجتماعية : الإلتزام في الحضور في
جماعة المسجد والمواظبة عليها تمتّن الروابط الإجتماعية بين المؤمنين ، لذا جعل الله
لها فضلاً عظيماً ، وجعل صلاة الجماعة تعدل خمسة وعشرين صلاة فرادى ، وأن التارك لجماعة
المسلمين لا حرمة له ولا غيبة ، قال النبي (ص) : (( ولا
غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين
غيبته وسقطت عدالته ووجب هجرانه )) فالمسجد ملتقى يومي وحركة اجتماعية في ضمن
التجمع العبادي بين المسلمين ، قال رسول الله (ص) : ((
إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان )) .
4. النصيحة الهادفة : مما لا شك فيه أننا بحاجة
إلى موجّهٍ يأخذ بأيدينا إلى التكامل والرقي وإن أفضل موجّه يمكن للإنسان أن يتحصل
عليه هو إمام الجماعة الذي جعله المصلي (سفيراً بينه وبين
الله) كما جاء عن الإمام زين العابدين (ع) ، فعندما يتردد المسلم على المسجد
ويستمع إلى الوعظ والإرشاد والمحاضرات والتوجيهات الإسبوعية التي يعالجها إمام الجماعة
من خلال قراءة الأحداث السياسية والإجتماعية يخرج بمعارف جديدة وآفاق واعية ، وهذا
ما عبّر عنه الإمام بـ (وكلمةً تدلّه على الهدى أو ترده
عن ردى) .
5. التوبة النصوح : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى
والتوبة والإعتراف بالذنب أهم ما يتجلّى للإنسان المسلم في ذلك الصرح الإيماني فعندما
يناجي المسلم ربّه ويدعوه ويتوسّل ويتودّد إليه ليفتح مع الله سبحانه وتعالى صفحةً
جديدة في بيته المقدّس بحيث تتجلى النبية الصافية والقول الصادق والإخلاص في العمل
، وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله (وترك الذنوب حياءاً أو
خشيةً) .