جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 03 / 06 / 1424هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 03 / 06 / 1424هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا". ]سورة الكهف ، الآية رقم 110[.

من أهم الأسس التي ترتكز عليها العبادة في الإسلام "النية" فهي الأساس الذي يعطي العبادة معنى وقيمة. لذا كان لها دور هام في تقويم الداعي الذي يحرك الإنسان نحو الطاعة وتقرير الفاعل لأنها عبارة عن التوجه الإرادي الحاسم للفعل وتعبير عن الموجه الداخلي والحقيقة الباطنة للإنسان ، لأن العقل قد يخضع لعملية تزوير بحيث يظهر بشكل لا ينسجم مع التوجه الخفي. فكثير من الناس يبذل المال ويمارس العبادة ويبدي حُسن الخلق لا بداعي القرب والإخلاص لله تعالى بل لتحقيق المآرب الشخصية والأغراض الذاتية التي تكمن في شخصية الفاعل. وعلى هذا فإن لم تكن النية خالصة لله – عز وجل – كان الفعل باطلاً ولا أجر لصاحبه.

الرياء آفة العبادة : 

عُرف الرياء بأنه الإتيان بالعبادة من أجل إراءة الناس بحيث يكون الداعي للعبادة رؤية الناس وهو الشرك المنهي عنه في القرآن لأنه إشراك للمخلوق مع الخالق سبحانه وتعالى في إنجاز العمل  وبذلك نطقت الروايات :

  ‌أ-  الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم - : "أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يري الناس أن فيه خيراً ولا خير فيه".

  ‌ب-  الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – : "يا بن مسعود ، إذا عملت عملاً من البر وأنت تريد بذلك غير الله فلا ترج بذلك منه ثواباً فإنه يقول "فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا"".

  ‌ج-  الإمام الصادق – عليه السلام - : "يجاء بعبد يوم القيامة قد صلى فيقول يا رب صليت ابتغاء وجهك فيقال له صليت ليقال ما أحسن صلاة فلان "اذهبوا به إلى النار"".

قال الإمام الشيخ محمد أمين زين الدين – قدس سره – "والرياء : هو ان يأتي الانسان بالعمل لاراءة الناس ذلك واستجلاب نظرهم إليه.

والسمعة: ان يأتي بالعمل لاسماعهم به.

والعجب: أن يدخل في نفسه العَجب من عمله والاكبار له. الى غير ذلك من الامور المنقصة للعمل ، والموبقة للانسان والموجبة لحبط الاجر ، وقد يأتي في مبحث النية في الصلاة شيء من التفصيل في ذلك." (كلمة التقوى ، كتاب الطهارة ، مسألة 381)

وقال أيضاً : "إذا قصد الرياء في وضوئه كان باطلا ، سواء قصد به الرياء خالصا ، أم قصد به القربة والرياء معا ، وسواء كانت القربة هي الداعي المستقل في إيجاد العمل ، وكان الرياء داعيا تبعيا غير مستقل ، أم كان الرياء هو الداعي المستقل للعمل والقربة هي التابع ، أم كان كل من القربة والرياء داعيا مستقلا يكفي في إيجاد العمل لو كان منفردا.
وسواء كان الرياء في أصل العمل أم في كيفيته إذا كانت متحدة مع العمل ، كما إذا راءى بالوضوء قبل الوقت ، أو بإسباغ الوضوء مثلا ، أم كان في أجزاء العمل إذا اكتفى بذلك الجزء ولم يعده قبل فوات الموالاة ، حتى إذا قصد الرياء ثم تاب منه فان العمل الذي راءى به يقع باطلا لابد من تداركه ، وكذلك الحكم في السمعة في جميع ما تقدم." (كلمة التقوى ، كتاب الطهارة ، مسألة 382.)

الرياء مرض أخلاقي :

مما لاشك فيه أن الإنسان المرائي يعاني حالة من الانفصام الشخصي بحيث يحس في نفسه النقص وعدم التكامل مما يجعله بحاجة إلى سد النقص الذاتي لارتكاب هذا النمط السلوكي الشاذ.

فالدافع للإنسان المرائي لارتكاب الرياء هو النقص الذي يشعر به ويحاول تغيير نظرة الناس إليه من خلال التملق والتصنع بالعمل لاستجلاب نظرهم إليه. وقد عالج علماء الأخلاق والسلوك مرض الرياء ببيان مفاسده ومضاره الكثيرة التي لا تزيد الإنسان إلاّ نقصاً وانحطاطاً ولن يصل إلى الكمال الإنساني إلاّ بتجريد النفس من هذه الشوائب والعيوب وليعلم أن حوائج الدنيا لا تتحصل بالرياء ولكن كلها بقضاء الله وقدره ومن اهتم بأمور آخرته كفاه الله دنياه.

من نوادر المرائين :

"ينقل أن رجلاً كان لا يقدر على الإخلاص في العمل وترك الرياء ففكر في أحد الأيام أن يذهب إلى طرف البلدة للصلاة في مسجد مهجور لا يدخله أحد ، وذهب إلى ذلك المسجد في ليلة مظلمة ذات رعد وبرق ومطر. فشرع في العبادة ، وبينما هو في الصلاة ، إذ دخل عليه داخل ، فأحس به ودخله السرور بأن يراه هذا الداخل وهو على حالة العبادة في الليلة الظلماء ، فأخذ في الجد والاجتهاد في عبادته إلى أن جاء النهار فنظر إلى ذلك الداخل فإذا هو كلب أسود قد دخل المسجد للاحتماء من المطر ، فتندم ذلك الرجل على ما دخله من الرياء عند دخول الكلب ، وقال : يا نفس إني فررت من أن أشرك بعبادة ربي أحداً من الناس ، فوقعت في أن أشركت معه في العبادة كلباً أسوداً فيا آسفاه ويا ويلاه على هذا." (لئالئ الأخبار ، الجزء الرابع).


جاروديات : كلمة الجمعة