كلمة الجمعة الموافق 25 / 05 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا
أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً
كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا".[سورة الإسراء ، الآية رقم 23-24].
لم يخص الإسلام أحداً بالعناية والتكريم كما خص الوالدين ، ولم يثبت لأحدٍ من الحقوق
على أحد كالحقوق التي ثبتها للوالدين على أبنائهما.
لذا جعل القرآن حقيهما بعد حق الله على الإنسان
، فهو عندما يأمر الإنسان بالاعتراف بالفضل وشكر الله وعبادته يردف الأمر بشكر الوالدين
وطاعتهما والإحسان إليهما والرحمة بهما والتواضع لهما فهما سبب وجود الإنسان ومصدر
الحياة ومحل الرعاية والعناية.
العلاقات الوجدانية :
إن المشاعر الإنسانية النبيلة والأحاسيس الوجدانية التي يفيض بها الآباء على أبنائهم
هي أرقى معاني الوجدان وأصدق العلاقات القائمة بين بني البشر وهي التي يعبر عنها الإمام
علي – عليه السلام – على الدوام بقوله "ووجدتك بعضي بل
وجدتك كلي حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك
ما يعنيني من أمر نفسي".
فالبر بالآباء والإحسان إليهم هو أبسط الواجبات في منطق الأخلاق وعرف الضمير التي
يؤديها الأبناء لآبائهم.
إن عطاء الأبناء لا يمكن أن يصل إلى مماثلة الآباء في أحاسيسهم ومشاعرهم ، لذلك
كان الواجب هو الإحسان والشكر والعرفان وهو مجرد اعتراف بالفضل ومحاولة لتحقيق الرضا
وليس هو كامل الوفاء أو المعادلة.
حقوق الآباء :
لقد بلغ التأكيد على حقوق الوالدين بأن حث الإسلام على الوفاء والرحمة بهما حتى
ولو كانا مشركين "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا"[سورة
لقمان ، الآية رقم 15]. لذا كان عقوق الوالدين من كبائر
الذنوب التي تعادل الشرك بالله تعالى كما جاء عن النبي – صلى الله عليه وآله –
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... الشرك بالله وعقوق الوالدين".
وحتى لا يكون الحق الأبوي مجرد وصايا أخلاقية طوعية
حددت الشريعة واجبات إلزامية أهما :
1-
حق الطاعة والنفقة والرعاية حال العجز والحاجة : خصوصاً
عند الكبر والمرض.
2- حق
الإحسان إليهما في الحياة وبعد الممات : فأوجبت على الابن الأكبر قضاء ما فات
أباه من صلاة إذا لم يوصي أحداً بالقضاء عنه وكذلك أوجبت على الوارث قضاء الحج والديون
ورد المظالم إلى أهلها وذلك من تركة المتوفي قبل توزيع الميراث.
الحق الأخروي :
لا ينتهي بر الأبناء بآبائهم في فترة الحياة بل تستمر هذه الرابطة الوجدانية والعلاقة
الإنسانية المنيعة للأبناء بآبائهم حتى بعد مماتهم ،
فالأب الميت أحوج إلى البر من الأب الحي ، لأن الإنسان في عالم الآخرة مقطوع
عن عالم الدنيا لا يملك من الأمر شيئاً بخلاف عالم الحياة الذي بإمكان الإنسان أن يدبر
شؤونه أو يستعين بغير أبنائه لقضاء حاجاته أو لتفريج شدته وتخفيف عسره. لذا جاء في
السنة النبوية مجموعة من الأحاديث تثبت للإنسان امتداداً وجودياً في الحياة يمكن أن
يستمر بعد موته ، هذا الامتداد هو جزء من ذاته وحصيلة طيبة من غرس يده.
قال رسول الله – صلى الله عليه وآله – "إذا مات المرء
انقطع عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له".
فالرسول لم يعتبر بر الوالدين منقطعاً بانقطاع الحياة ، بل اعتبره مستمراً فيما
بعدها. وجاء إعرابي إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله – فقال :
"يا رسول الله : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟
فقال : نعم ، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي
لا توصل إلاّ بهما وإكرام صديقهما".
وجاء في الحديث الشريف "إن العبد ليكون باراً بوالديه
في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقاً ،
وإنه ليكون عاقاً لهما في حياتهما غير بارٍ بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما
فيكتبه الله عز وجل باراً".