كلمة الجمعة الموافق 18 / 05 / 1424هـ في مسجد الحصمية
كلمة الجمعة الموافق 18 / 05 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى : "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ
رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى
بِاللَّهِ حَسِيبًا". [سورة
الأحزاب ، الآية رقم 39].
أفرزت الأمة في تاريخها مجموعة واعية من الدعاة أخذت على عاتقها مسؤولية التوجيه
والإرشاد والتبليغ لدين الله وشريعته. واستطاعوا أن يتحركوا من خلال الوعي والثقافة
في تأهيل المجتمع وتأصيل الدين وينشروا المفاهيم الإسلامية ويُدافعوا عن قيم الأمة
وحضارتها ويحصنوا الشباب المسلم من الانحراف والابتعاد عن قيمه وثوابته الحقة.
1-
الالتزام بالتقوى:-
من أهم المعايير الأساسية التي يجب أن تتوفر في الداعي والموجه التزامه بالشرع وما
يقرره من إرشادات وتوجيهات وأن يعيش الإسلام عقيدة وسلوكاً حيث لا يمكن أن يؤثر في
مجتمع ما وهو بعد لم تتكامل في شخصيتة الهداية والصلاح ، قال تعالى
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ" [سورة
الصف ، الآية رقم 2-3] وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (ع) قال:
"إن العالم إذا لم يعمل بعلم زالت موعضتة
عن القلوب".
2- الانضباط
السلوكي:-
حسن السيرة والسلوك بين الناس يجعل من الداعي قدوة للآخرين ، ومصداقية حسنة فيتحرك
المجتمع من خلال التزامه وسيرته الرائعة بخلاف الذين يفقدون هذا الجانب المهم فنجد
الجانب السلبي في حياتهم يشكل المعيار الأساسي في قبول المجتمع لتوجيهاته وإرشاداته
بحيث لا يبقى لكلامه أي اثر توجيهي.
فالأخلاق الفاضلة في أسس الدعوة إلى دين الله ترفع من مقام أصحابها عند الله تعالى
وتجعلهم أهلاً لأن يكونوا في درجات الأنبياء والأتقياء. والإنسان التقي ذا الأخلاق
العالية يمثل الحركة الفاعلة للحياة فهو مصدر الخير وموضع ثقة الناس وهو الصادق في
القول والحكم والمستودع لتحمل الأمانة وبذلك الانضباط السلوكي دعا أئمة أهل البيت شيعتهم
على الالتزام به في الدعوة إلى الله (( كونوا دعاة لنا
بغير ألسنتكم)).
3- الشعور
بالمسؤولية:-
من صفات الداعي الناجح والمبلغ الصالح تحمل المسؤولية - مهما كانت نتائجها – لا
أن يتهرب من الواقع ويفر أمام الأحداث وينزوي عن آلام المجتمع وهمومه وذلك انطلاقاً
من الموقع الديني الذي يتحرك منه "كلكم راع وكلكم مسؤول
عن رعيته". فالداعي المثالي هو الذي يعيش هموم الآخرين بأنها همومه ومشاكلهم
كأنها مشكلته التي يعاني منها ويحاول بقدر الإمكان إيجاد الحلول والعلاج المناسب.
4-
الأهلية:-
من الشروط المهمة أن يكون – الداعي – على مستوى من العلم والفهم ودراية عقلائية
تؤهله إلى قيادة المجتمع وتوجيهه.
ولعل من أهم الأسباب في تأخرنا وعدم تقدمنا هو ما نعانيه ونشهده اليوم من أن مراكز
القوى المؤثرة في المجتمع يتصدرها من لا يملكون رصيداً من العلم والمعرفة وعدم الخبرة.
فتجد الأوقاف مثلاً في حالة من الإهمال بسبب عدم اكتراث أولياؤها وقس على ذلك الكثير
فالحسينيات والجمعيات والمزارات والاحتفالات كلها للأسف خاضعة إلى جنوح الرغبات والمحسوبيات
فهل يا ترى سنجني ثمرة ذلك؟.
فما بالك بموقع الإرشاد والتوجيه إذا تصدره غير أهله وهو أخطر المواقع وأهمها لما
يمثله من أثر في وعي الآلاف وثقافتها وتوجيهها.
الشيخ الوائلي:-
فقدنا في الأيام الماضية علماً من أعلام الثقافة والفكر ورائداً من رواد الإصلاح
والتوجيه عميد المنبر الحسيني الشيخ الدكتور أحمد الوائلي الذي وافاه الأجل في العراق
بعد غياب استمر لأكثر من عقدين من الزمن. الشيخ الوائلي صاحب مدرسة متكاملة في الخطابة
الحسينية استطاع أن يطور المنبر الحسيني مدة 50 عاماً مجدداً في الأسلوب والمنهج وموسوعياً
بما تحمله الكلمة من معنى ، حتى عبر عنه أحد أعلام الطائفة بأنه
"مكتبة الشيعة المتنقلة".
جمع الوائلي بين الدراسات الحوزوية والأكاديمية حتى حصل على درجة عالية من العلم
والمعرفة استطاع من خلالها إيصال الفكر الديني إلى الملايين من الناس وتنقل إلى البلدان
الإسلامية لإلقاء محاضراته وتوجيهاته التي كان لها صدى واسع وانتشار في مختلف الأقطار
والبلدان التي زارها.
إن الأجيال التي تربت تحت منبره الشريف لا يمكن أن تنسى ذلك الرجل العظيم الذي كان
له الأثر الكبير في وعيهم وتنويرهم وسيبقى علماً بارزاً من معالم الثقافة والفكر وأستاذاً
لكل من ارتقى المنبر من الخطباء والعلماء.
إن رحيله يُعد خسارة فادحة وعظيمة ألمت بكل من عرف قدر هذا الرجل العظيم الذي خدم
منبر الحسين ومذهب أهل البيت.
لقد كانت أمنية الشيخ الوائلي أن يلثم تربه لنجف الأشرف وأن يجاور إمام المتقين
فحقق الله له هذه الأمنية ، بعد أن قاسى المحنة والغربة وآلام الاضطهاد فسلام عليه
يوم ولد ويوم توفي ويوم يبعث حياً.