كلمة الجمعة الموافق 20 / 04 /
1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله العظيم :
}
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ً وبالوالدين إحسانا ً وبذي
القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب{ [سورة النساء ، الآية رقم 36].
الحياة الإنسانية حياة
اجتماع وسعادة ، والألفة مع الناس أمر طبيعي دعت إليه
الحاجة الحياتية ، ومن هنا قال علماء الاجتماع :
الإنسان مدني بالطبع لأن الإنسان بطبيعته
اجتماعي يميل إلى أجناسه وأقرانه ولا غِنى للإنسان عن الآخرين وخصوصاً الجار
الأمين الذي يطمئن إليه ويألف مجالسته وجيرته. لذا أكد الإسلام على حفظ الجوار في
تشريعاته ووصاياه ، واحتفاءً منه بعلاقة الجوار عمل على
تنميتها وتقويتها بين أفراد المجتمع الصالح. وحيث أن مسألة الجوار تكمن في كونها
علاقة واقعية يعيشها الإنسان على الأرض ينبغي أن تسير وفق بناء الحياة على علاقات
التعاون على الخير
]وتعاونوا على البر
والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[
[سورة ، الآية رقم ].
ومن نعم
الحياة أن يوفق الإنسان في الحصول على الجار الأمين الذي يراعي حقوق الجيرة ويكون
حسناً في سلوكه أميناً في المعاملة حافظاً له في حضوره وغيبته. وهذا ما نفتقده هذه
الأيام - بل يعتبر نادر الوجود - في عالم لا يعرف الجار عن جاره شيئاً إلا درجه أن
الكثير لا يعرف اسم جاره ولا يأبه به.
لقد تناسى الكثير من
الناس قيمة الجوار واعتبروها موروثاً اجتماعياً أو عادة انقرضت وانتهى أمدها
متناسين أن الإسلام أعطى الجوار أهميته إلى درجة أننا نقرأ في الأحاديث هذا المعنى
الكبير "مازال رسول الله يوصي بهم "أي الجار"
حتى ظننا أنه سيورثه".
وصايا ثمينة في حقوق الجوار :
1- الإمام زين العابدين – عليه السلام - :- "وأما حق جارك فحفظه غائباً وإكرامه شاهداً ونصرته إذا
كان مظلوماً، ولا تتبع له عورة فإن علمت عليه سوءاً سترته وإن علمت أنه يقبل
نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه ، ولا تسلمه عند شديدة وتقبل عثرته ، وتغفر ذنبه ،
وتعاشره معاشرة كريمة ، ولا قوة إلا بالله".
2-
الرسول –
صلى الله عليه وآله - قال ذات يوم : "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله
لا يؤمن. فقيل يا رسول الله من؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه".
3- عن الصادق – عليه السلام - قال :
"أن رسول الله أتاه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إني اشتريت داراً في
بني فلان ، وإن أقرب جيراني مني جواراً من لا أرجوا خيره، ولا آمن شره. قال ، فأمر رسول الله علياً – عليه السلام - وسلمان وأبا ذر.
قال الراوي : ونسيت واحداً و أظنه المقداد فأمرهم : أن
ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم : "أنه لا إيمان لمن لا يؤمن جاره بوائقه"
فنادوا ثلاثاً ، ثم أمرهم – صلى الله عليه وآله - فنودي "إن كل أربعين دار
بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله يكون ساكنها جاراً له"."
4- أمير المؤمنين – عليه السلام - في وصيته : "الله الله في جيرانكم فإنما وصية نبيكم ما زال يوصي بهم
حتى ظننا أنه سيورثهم".
5-
الصادق –
عليه السلام - : "حسن الجوار يزيد في الرزق. وملعون من آذى جاره".
6-
الإمام
الرضا – عليه السلام - : "ليس منا من لم يأمن جاره بوائقه".
أسباب ضعف علاقات الجوار :
1-
ضعف
الوازع الديني.
2-
الجهل
بحقوق الجيران.
3-
التسابق
في مضمار الماديات.
4-
تغير
معايير المودة بين الناس.
5-
الانشغال
بأمور الدنيا.
إن الإسلام عندما يقيم
للعلاقات العاطفية وزناً خاصاً ويوليها اهتماماً كبيراً نجد هذه العلاقات والعواطف
في الحياة الصناعية المادية تزول يوماً بعد يوم وتأول إلى الانحسار ويحل مكانها
القسوة والجفاء والخشونة وذلك بسبب فقدان الجوانب الروحية والعلاقات الأخوية
القائمة على روح التعاون والتكامل.
حسن الجوار:-
من الحقوق التي دعا
إليها ديننا الحنيف "حسن الجوار"
بمعنى أن يعيش الإنسان هموم جاره ومشاكله وأن يقدم له المعونة عند الحاجة وأن لا
يؤذيه بكلمة أو فعل شنيع يؤثر على العلاقة الحميمة القائمة بينهما.
وحسن الجوار معناه
التعرف على حاجاته ومواضع شكواه وأن يسعى إلى حلها إن استطاع ذلك. وحسن الجوار
معناه أن تكف الأذى عن جارك وأن لا تفشي له سراً أو عورةً ولا منقصة وأن لا تؤذيه
حتى برائحة الطعام أو الشواء وأن لا تظهر بمظهر غير قادر بالظهور عليه كأن تكون في
نعمة هو مفتقر إليها ولذا ورد "من بات شبعاناً
وجاره جائع فليس منا".
ومن حسن
الجوار أن تحافظ على حرمته بمعنى أن لا تقترف ذنباً في حقه فقد ورد في الحديث "حرمة الجار على الإنسان كحرمة أمِّه" وهذا
لا يكون إلا ممن انسلخ من إنسانيته وتجرد عن حيوانيته والعياذ بالله.
إذاً أيها
الأخوة المؤمنون :علينا أن نعيد
حساباتنا اتجاه جيراننا حتى نبني مجتمعاً قوياً متماسكاً متناصراً يعيش الخير
وينشر المعروف ويربي أبناءه على الاحترام المتبادل ويتمتع بعلاقات اجتماعية صادقة
مستقرة يتجاوز كل الخلافات من أجل مستقبل مشرق وحياة سعيدة هادئة.