كلمة الجمعة الموافق 22 / 03 /
1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله العظيم :
}وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ
{[سورة الروم ، الآية رقم 21].
الزواج سنة من السنن
الإلهية وآية من آيات الكون - لأن نظام الزوجية - مما قام عليه خلق الله -
}وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا
زَوْجَيْنِ{ [سورة الذاريات ،
الآية رقم 49] ومسألة الزواج في الإسلام مسألة قائمة على أساس علاقة الرجل بالمرأة علاقة شرعية تقوم على أسس الاختيار ، والاختيار أول
خطوة يخطوها الإنسان عندما يريد أن يرسم مستقبل حياته وأسرته ، لذا أحاط الإسلام
هذه القضية ببالغ الأهمية وذلك بجملة من الإرشادات و التوصيات إلى كل من الرجل و المرأة.
اختيار الزوجة
:
أرشد الإسلام الراغب
في الزواج إلى تحكيم العقل في عملية الاختيار حتى لا يكون همه المظاهر البراقة
الزائلة من المال والجاه والجمال التي لا ينبغي أن تكون مقاييس أساسية للاختيار
حيث أن الزواج لا تقتصر قوته على إشباع الناحية الغريزية فحسب بل له وظائف نفسية
وروحية واجتماعية وتربوية لا بد من رعايتها إلى جانب مطالب الغريزة فقد نصت مجموعة
من النصوص الدينية على مجموعة من المواصفات في الاختيار.
أ-
الرسول(ص)
"إياكم وخضراء الدمن - قالوا يا رسول الله - وما خضراء الدمن
قال: المرأة الحسناء في منبت السوء".
ب- النبي
(ص)"خير
نساؤكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها التي تسمع قوله
وتطيع أمره".
ج-
النبي (ص) "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه فإن فعالهن أحرى أن يكن
حسانا".
اختيار الزوج
:
ولقد وجه الإسلام في
نفس الوقت في عملية الاختيار أن تختار المرأة الزوج الصالح المناسب الذي يمكن أن
تبني معه الحياة المثالية والأسرة المتكاملة على أساس الدين والتقوى والخلق وفي
هذا الإطار جاء الحديث الشريف ليثبت هذا المفهوم "إذا
جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه و إلا تفعلوا تكن
فتنة في الأرض وفساد كبير".
تسهيل الزواج
:
الزواج سنة إلهية
قائمة منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض بل أن نظام الحياة العام قائم على الازدواجية
}وَمِن كُلِّ شَيْءٍ
خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ{ [سورة الذاريات ،
الآية رقم 49] وهو الصورة الحية للحياة المستقرة التي تنسجم مع ميول الإنسان
وحاجاته. ولا يمكن للإنسان أن يحقق استقراره وسعادته إلا إذا أزال كل العقبات التي
تحول دون تحقيق هذا المشروع الرباني حيث توجد مجموعة من المعوقات التي تتسبب في
تأخير الزواج بين الشباب مما يؤدي إلى التقدم في العمر أو انتشار ظاهرة العنوسة بل
ربما ينقاد بعضهم إلى الانحراف من أجل تلبية مطالبهم الغريزية. ولقد
نتج عن بعض الدراسات بين الكثير من الفتيات اللواتي بقين في بيوتهن تحت ضغط الكبت
والحرمان والعقد النفسية.
والمسألة اليوم لا
تكمن في غلاء المهور فقط بل مع تقدم الزمن وصعوبة الحياة أضحت هناك مجموعة من
الأزمات ساعدت على تفشي هذه المشكلة منها انتشار البطالة بين الشباب وظهور عادات طارئة على مجتمعاتنا شكلت عبئاً اقتصادياً كبيراً جداً وهو
الزواج في الصالات الراقية وإقامة الحفلات الفارهة مما
شكل أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة يجب التصدي لها والحيلولة دون انتشارها.
لذا نؤكد على أن
التشجيع على الزواج وتسهيله من أهم الأمور التي نستطيع من خلالها تحصين أبنائنا من
الإنزلاق والانهيار. وأن أي محاولة لعرقلة الزواج قد
تكون سبباً وعاملاً للفساد الأخلاقي والانهيار الأسري والاجتماعي.
لقد أعطانا الرسول –
صلى الله عليه وآله -
درساً بليغاً وجديراً وهو المثل الأعلى للإنسانية عندما زوج علياً –
عليه السلام - بفاطمة – عليها السلام -
بذلك المهر المتواضع والذي عرف بعد ذلك بـ "مهر السنة" عندما باع علي (ع) درعاً
بخمسمائة درهم وقدمها مهراً لفاطمة – عليها السلام - فإن ذلك منه دعوة إلى تيسير
أمر الزواج والتقليل من أعبائه الثقيلة.
وأما من حيث الوليمة
التي عملها أمير المؤمنين (ع) ليلة زواجه فيحدثنا التاريخ عن هذه الوليمة
المتواضعة بهذه القصة التي ينقلها الشيخ الطوسي:
روى
الشيخ الطوسي عن أمير المؤمنين – عليه السلام - قال: "قال رسول الله ـ (ص) ـ يا علي اصنع لأهلك طعاماً فاضلاً
ثم قال من عندنا اللحم والخبز وعليك التمر والسمن ،
فشريت تمرا وسمناً فَحَسَر رسول الله – صلى الله عليه وآله - عن ذراعيه وجعل يشدخ التمر في السمن وبعث إلينا كبشاً فذبح وخبز لنا خبزاً
كثيراً ثم قال لي رسول الله – صلى الله عليه وآله - ادع من أحببت ، فأتيت المسجد
وهو مشحون بالصحابة فاستحييت أن أشخص قوماً وأدع قوماً،
ثم صعدت على ربوة هناك وناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة ، فأقبل الناس أرسالاً فاستحييت من كثرة الناس
وقلة الطعام ، فعلم رسول الله – صلى الله عليه وآله - ما تداخلني فقال لي: يا علي
سأدعو الله بالبركة. قال علي – عليه السلام - وأكل القوم عن آخرهم
طعامي وشربوا شرابي ودعوا لي بالبركة وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل ولم ينقص
من الطعام شيء. ثم دعا رسول – صلى الله عليه وآله - بالصحاف فملئت وجيء بها إلى
منازل أزواجه ثم أخذ صحفة وجعل فيها طعاماً وقال هذه
لفاطمة وبعلها".
وعن
جابر قال: "حضرنا وليمة علي وفاطمة ـ
عليهما السلام ـ فما رأيت أطيب منها". ( المصدر ينابيع المودة، ص233)
إن ما نشاهده هذه
الأيام من إقامة حفلات الزواج في الصالات هي من الظواهر الطارئة على مجتمعاتنا
ومدعاة إلى التبذير و السرف وتشكل عبئاً ثقيلاً على
كاهل المتزوجين وخروج على التعاليم الإسلامية. فلا بد لنا أن نقف دون سريانها في
مجتمعاتنا وبين شبابنا لأنها من العوائق الحائلة دون تحقيق هذا المشروع الإلهي بين
الرجل و المرأة وهي في الحقيقة من الظواهر التي تسربت لنا من المجتمعات اللادينية التي لا تراعي القيم الإنسانية والموروثات
الاجتماعية. أعادنا الله وإياكم من الإنزلاق وراء هذه المظاهر الخداعة إنه ولي
المؤمنين.