كلمة الجمعة الموافق 15 / 03 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله الكريم في كتابه الحكيم
}إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ{ [سورة الأنبياء ، الآية رقم92].
ن الضروريات الإيمانية
التي يحتمها الدين ويقررها القرآن الكريم أن المسلمين
أمة واحدة حيث أن الإسلام جاء ليبني أمة واحدة في إطاره العام. ولقد ميز القرآن
بين الأمم على أساس الدين والمنهج الذي تتبعه والشريعة التي هي القانون الحاكم للأمة
}تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ
خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [سورة البقرة ، الآية رقم 134] وبما أن المسلمين يجتمعون فيما
بينهم بالقواسم الإيمانية المشتركة التي لا يوجد مسلم
إلا ويؤمن بهذه الثوابت الحقة مهما اتسعت رقعة الاختلاف
و الاجتهادات المذهبية فيما بين الطوائف الإسلامية.
فالقرآن يدعو المسلمين
إلى الاعتصام بحبل الله وعدم الافتراق وينادي بالأخوة الإيمانية التي تعني
الانسجام والؤامفي العواطف والأحاسيس الأخوية وذلك في قوله تعالى
}وَاعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا{.[سورة آل عمران ، الآية رقم 103]
إن هذا الأصل العام "حبل الله المشترك" فيما بين المسلمين هو
الأصل العقائدي الذي يجمع المسلمين في عقيدة واحدة فهم يؤمنون بالتوحيد والنبوة
والمعاد وبوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والأصول المتفق عليها
ثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد وما عداها من
الأمور المختلف عليها بين المذاهب هي من الأصول المذهبية حيث أن لكل مذهب أصوله الخاصة ، ونحن لا ننكر وجود تفاوت
في وجهات النظر و اجتهادات أدت إلى اختلاف المسلمين.
فالاختلاف نتاج طبيعي وسنة حياتية اقتضتها مشيئة الله
}وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{ [سورة يونس ، الآية رقم 19]شريطة أن لا يؤدي
الاختلاف إلى الفتنة والتصارع والفرقة والفجوة بين المسلمين وأن لا نجعل للأعداء
ذريعة للدخول فيما بيننا ليشتتونا فرقاً وأحزاباً متناحرة – كما هو الحاصل اليوم-
حيث يتربص أعداء هذه الأمة بها الدوائر- والضرب على وتر الطائفية والمذهبية ولقد
انجر بعض المتدينين إلى ذلك الصراع المرير
من دون التفكير إلى عواقب الأمور التي قد تنتج عن ذلك.
ومن نافلة القول أن
نقول إن الاختلافات الفكرية لا تشكل عاملاً من عوامل الافتراق بقدر ما هي أداة
تستخدم في إثارة النزعات وقد استخدمت بالفعل ، فالخلافات
الفكرية قد تكون نفسها دليل حياة ودليل قوة شرط أن تبقى في دائرة الحدود الفكرية
فتعدد الآراء والنظريات من شأنه أن يقوي الحركة الفكرية ويدفعها نحو التكامل
والرشد ، نعم هناك حالات من الخلاف ناشئة من التقليد الأعمى والتعصب الممقوت وهي
خلاف التعقل والعلم وقصور في النضج الفكري فالمتتبع لبعض العقائد الإسلامية يجد
ذلك جلياً في دراسة بعض النظريات التي ابتنت عليها يعني الآراء- كما هو موجود عند
بعض الأشاعرة والمعتزلة في تبنيهم لبعض الآراء الشاذة.
ومع ذلك لا بد من
الالتزام بعدم نقل الخلافات المذهبية إلى دائرة أوسع وعدم ترتيب آثار العداء اتجاه
من نختلف معهم إذا لم نصل إلى وفاق في الرأي واتفاق في النظرة ولا بد من حصر
الخلافات فيما بيننا وعدم السماح لأعدائنا باستغلالها والاستفادة منها.
ولا يعني دعوة
المسلمين إلى الوحدة أن يجتمعوا في مذهب واحد أو يتنازل السني عن سنيته والشيعي عن شيعيته- بل تعني
فتح الحوارات الهادفة وتشكيل الندوات و اللقاءات لتدارس نقاط الاختلاف والافتراق وتناسي الخلافات
المذهبية وكتمانها عن أعداء الإسلام لكي لا يستغلونها ويستفيدوا منها ويلعبوا على
وترها.
التقريب بين المذاهب:-
من الخطوات العملية
لإزاحة الحاجز النفسي ولم الشمل مسألة التقريب التي تعتبر ضرورة يحتمها الدين وتؤكد عليها النصوص الإسلامية قال الله تعالى
}وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ{ [سورة الأنفال ، الآية رقم 46] وجاء في الحديث "من فارق الجماعة سراً فقد خلع الإسلام من عنقه" .
وهذا أمر له
أهمية كبرى في هذا الوقت الحاضر لإزاحة البعد والجفاء فيما بين المسلمين وإزالة
الضغائن والأحقاد للوصول إلى الرؤية الصحيحة والتعرف على وجهات النظر المختلفة
وقبول الطرف الآخر.
لقد سعى علماء الشيعة
إلى وضع الإطار العام لمسألة التقارب بين المذاهب الإسلامية عندما أمر مرجع
الطائفة السيد حسين البروجردي بتأسيس دار التقريب بين
المذهب.
والتقى علماء الشيعة
مع علماء السنة وتدارسوا وجهات النظر وحضروا الندوات والمباحثات العلمية وكان من
نتاج ذلك أن أفتى شيخ الأزهر محمد شلتوت فتواه الشهيرة "بجواز
التعبد بالمذهب الشيعي الأثنى عشري" والتي
كان لها أثر في الساحة الإسلامية وجمع كلمة المسلمين ولا زالت مرجع ومصدر يرجع
إليها كل من رام الحقيقة وابتغاها.
وفي الختام- نسجل كلمة
للتاريخ- أنه في الوقت الذي يسمح فيه بدخول الكتب الإباحية في بعض الدول الإسلامية
والنشرات الخلاعية والشبكات الإباحية يمنع دخول الكتاب الشيعي إلى العديد من
البلاد الإسلامية ويوضع على قائمة الكتب الممنوعة ويمنع الملايين من المسلمين من
الإطلاع على مذهب أهل البيت وفكرهم وثقافتهم ومناهجهم العلمية.