جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 01 / 03 / 1424هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 01 / 03 / 1424هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله الكريم في كتابه الحكيم : ]هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [ [سورة الجمعة ، الآية رقم2].

النبوة:

النبوة سفارة إلهية وتعاليم ربانية - لا تحمل في تعاليمها أي طابع بشري أو جهد شخصي - ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ [ سورة الشورى ، الآية رقم 52].

فالنبي هو ذلك الإنسان القدوة والمثال الذي من مهماته أن يفتح نوافذ العقل البشري على الله الخالق المبدع وأن يعلم الناس أحكام الله التي ترسم النظام العادل المتوازن في الحياة فمن أراد الرقي والكمال والفلاح فما عليه إلا أن يتمسك بالأنبياء ويلتزم تعاليمهم ليخرج نفسه وكيانه من عالم الظلمات على عالم النور ، قال تعالى ]الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ [سورة الأعراف ، الآية رقم157].

النبي الأمي:

من خصائص خاتم الأنبياء أنه لم يتعلم القراءة والكتابة عند معلم بشري ولم ينشأ في بيئة علم وإنما نشأ في مجتمع جاهلي- وهذه حقيقة أثبتها القرآن- والأمية في شخص النبي إعجاز إلهي وليس نقص في كماله: لقد سمي ذلك العصر بالعصر الجاهلي لينطلق من ذلك الكيان المليء بالجهل والخرافات بالكتاب المبين الذي يدعو إلى العلم والثقافة والفكر والتعقل الذي يحتوي على صنوف المعارف والعلوم وبدأ يتعلم الناس ]الكتاب والحكمة[

فهو أمي ولكنه يكافح الجهل وعبادة الأصنام ويدعو إلى القيم الإنسانية المثالية والشريعة العالمية فهو معجزة في ذاته وعلمه ومعارفه وجوامع كلماته ومناهج تربيته. لقد أوحى الله إليه ما أوحى ، وعلمه الكتاب والحكمة وجعله نوراً وسراجاً منيراً وشاهداً على مسيرة الأمة نحو الهدف السامي الذي خُلقت من أجله ]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [.[سورة آل عمران ، الآية رقم 110].

تراث الرسالة:

حفلت هذه الرسالة بتراثها العظيم الذي قدمه الرسول الخاتم إلى البشرية والأمة الإسلامية من عطاء مقروء أو مسموع:

1-  القرآن الكريم.

2-  السنة النبوية.

وهما عطائان من فيض السماء على الإنسان كان مصدرهما الوحي النازل على قلب رسول الله (ص) حيث يتميز الأول بأن نصه ومضمونه من الله فالصياغة إلهية والمضمون كذلك وهو المعجزة الخالدة لرسول الإسلام.

والوثائق التاريخية الدالة على تدوين النص القرآني في عصر الرسول كثيرة مذكورة في محل ومنها :-

·  ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام - حيث قال:- "ما نزلت على رسول الله(ص) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها و منسوخها ومحكمها و متشابهها و خاصها وعامها ودعا الله أن يمنحني فهمها وحفظها فما نسيت من كتاب الله ولا علماً أملاه علي وكتبته منذ دعا لي بما دعا". [الكافي/ج1ص62]

ويتميز التراث الثاني "السنة النبوية" فهو بشري الصياغة إلهي المضمون يتميز بالفصاحة والبلاغة ويتجلى فيها عظمة الرسول وعصمته والتسديد الإلهي له.

واعتبر القرآن الكريم السنة الشريفة ثاني مصدر للتشريع الرباني واعتُبرت السنة مصدر تشريعاً مفسراً للقرآن باعتبار النبي – صلى الله عليه وآله -  مفسراً للقرآن وموضحاً لما أبهم فيه.

ولكن السنة النبوية للأسف لقيت بعد الرسول (ص) وبالذات في عصر الخلفاء الأوائل وضعاً سيئاً، حيث أقدم أبو بكر وعمر على منع تدوين حديث الرسول (ص) وقاما بإحراق ما دونه بعض الصحابة بحجة حرصهما على القرآن من الضياع إذا دونت السنة والغفلة والإهمال له، وبهذا الإجراء ضاعت السنة وخسر المسلمون الكثير من حديث الرسول (ص) ومات الحُفاظ والرواة وبموتهم ذهبت كثير من المسموعات التراثية الهامة.

ولكن أهل البيت (ع) وأتباعهم خرقوا هذا المنع الجائر وتعاملوا مع السنة التعامل اللائق بها من الاحترام والتقديس وأخذوا يدونونها ويتداولونها لفاً عن سلف. وأول من بادر بتدوين السنة واعتنى بها هو ربيب رسول الله (ص) ووصيه الإمام عليuحيث قال:- "وقد كنت أدخل على رسول الله كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها أدور معه حيثما دار ..... وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي كان أو يكون منزلا ً على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنسى حرفاً واحد ً..." [الكافي/ج1ص62]  

وقال الإمام الباقرu لعذافر الصيرفي والحكم بن عينه عندما أخرج له كتاباً عظيماً ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة التي اختلفوا فيها- فقال "هذا خط علي وملأ رسول الله"

وقال الإمام الصادق u لأبي بصير : "وإن عندنا الجامعة صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (ص) و ملأته من خلق وخط علي uبيمينه فيها قل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش"

وبذلك حفظ أهل البيت تراث رسول الله من الضياع، ولم يسمحوا للاجتهادات الخاطئة من القياسات و الاستحسانات وغيرها كما سمح غيرهم حيث تسربت الاسرائليات إلى مصادر ثقافة المسلمين وكتبهم، ولو رجعوا إلى أهل البيت لما احتاجوا إلى شيء من ذلك فأهل البيت أدرى بالذي فيه .

لقد حوت السنة الشريفة عند أهل البيت جميع أبواب العقيدة والفقه والأخلاق والتربية وكل ما تحتاج إليه البشرية في جوانب المعارف وشؤون الحياة.


جاروديات : كلمة الجمعة