جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 23/ 02 / 1424هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

من أهم الشعائر الدينية التي دعا لها أئمة أهل البيت – عليهم السلام – وأكدوا على إحيائها "زيارة الإمام الحسين – عليه السلام –" لما لها من الأبعاد القيمة في حركة الأمة وثقافتها بالقيم الموروثة من نهضة أبي الأحرار – عليه السلام – الذي جسد في ثورته قضية الإسلام ومصير الإنسانية.

فالزيارة تحمل في مضمونها الأبعاد الآتية :

1.  العدل :

إن الزائر لقبر الإمام الحسين – عليه السلام – يجسد موقفاً ولائياً واضحاً حتى بعد مرور ألف سنة على قضية عاشوراء ليحدد انتمائه للموروث الحضاري والعقائدي لصاحب القبر. وزيارة القبر إشهاراً للولاية وتجديد الانتماء الذي يؤمن به الزائر. ولعل بعض نصوص الزيارات فيها هذا المضمون الانتمائي "إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي لمن والاكم وعدو لمن عاداكم إلى يوم القيامة" وهذا هو الانتماء والموقف يعبر عن الثقة المطلقة والتبعية الكاملة.

2.  الشهادة :

شهادة الزائر للإمام الحسين – عليه السلام – بإمامة المسيرة وموقعه في حياة الأمة ومركزه القيادي الذي وضعه الله فيه وما آتاه الله تعالى من إمامة وولاية على المسلمين "أشهد أنك من دعائم الدين وأركان المؤمنين وأشهد أنك الإمام البر التقي الرضي الزكي الهادي المهدي وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا".

ولذلك الشهادة له بالطهر والنزاهة من كل أثم وذنب والعصمة من كل زلل وعصيان "أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها".

والشهادة له بحفظ الدين والشريعة "أشهد أنك أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين".

3.  تجديد العهد والصلة :

إن الزيارة من أهم المحطات التي تستوقف الزائر فيستذكر عبق الماضي وأريج الحاضر ويشده الماضي العريق بما فيه من موروثات تاريخية وقيم حضارية وبما يحمل من مواقف و بطولات ليعمق الصلة بالأولياء من خلال الوقوف على مراقدهم ومشاهدة النورانية فيتجلى له الإحساس والارتباط العقائدي فيزداد أصالة وموقفاً وصلابة في عقيدته وإيمانه.

ولعل من أروع القيم التي تجسدها الزيارة أن الأجيال اللاحقة ترث المواريث الحضارية عن الأجيال السابقة وتشاركها أيضاً في ثواب معاناتها وعنائها الطويل. وقد جاء ذلك في حوار عطية العوفي مع جابر بن عبدالله الأنصاري عند زيارته للإمام الحسين – عليه السلام – يوم الأربعين حيث قال جابر : "والذي بعث محمداً نبياً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه ، فقال عطية : كيف ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم ويتمت أولادهم ورملت أزواجهم ، فقال يا عطية : سمعت حبيبي رسول الله – صلى الله عليه وآله – يقول : من أحب قوماً حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم والذي بعث محمد – صلى الله عليه وآله – بالحق أن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين – عليه السلام – وأصحابه".

4.  العقيدة :

كانت ثورة الإمام الحسين – عليه السلام – السبب في إحياء الإرادة لدى الأمة المسلمة وانبعاث الروح النضالية في مواجهة الظلم والانحراف فتعلم الإنسان المسلم من ثورة الإمام الحسين – عليه السلام – أن لا يستسلم ولا يساوم وأن يصرخ معبراً عن رأيه ورغبته وأن لا يستكين أمام التحديات. لذا نجد الثائرين استلهموا من واقعة الطف الدروس والعبر والمواقف وأصبح قبره رمزاً لكل الثائرين وقدوة لكل المناضلين يستمدون منه روح الجهاد والتضحية. ولذا كان الظالمون عبر التاريخ يرصدون حركة الزائرين لقبر الحسين – عليه السلام – خوفاً من انبعاث حركة النهضة والمواجهة.

فالتاريخ يحدثنا عما فعله المتوكل العباسي بقبر الحسين – عليه السلام – عندما منع الناس من زيارته ومن ثم هدمه وأجرى الماء عليه ليندثر ولا يبقى له أثر أو معلم. وخاب الظالمون وبقي الحسين – عليه السلام – مناراً للسائرين ومعلماً للأحرار والمؤمنين.

ولعل ما شهده العالم هذه الأيام حينما تجمع الملايين حول قبر الحسين – عليه السلام – في زيارة الأربعين أكبر شاهد على أن قبر الحسين – عليه السلام – مصدر إشعاع رسالي لكل الأجيال والأمم ، وقد أعطى ذلك رسالة واضحة للعالم أن الحسين – عليه السلام – حي في قلوب العارفين ينبض بالعطاء المتدفق ليروي ظمأ العطشى بالفكر الرسالي والروح النضالية.

كذب الموت فالحسين مخلد***كـلما أخلد الزمان iiتجدد


جاروديات : كلمة الجمعة