كلمة الجمعة الموافق 25/ 01 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على
أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.
نعيش وإياكم مأساة وشهادة الإمام زين العابدين – عليه
السلام – لنقف عند محطات بارزة في حياته الحافلة بالجهاد والعطاء وما قدمه
للأمة من خدمات جلية في سبيل الدين والعقيدة والحياة الكريمة.
عصر الإمام السجاد – عليه السلام - :
عاش الإمام علي بن الحسين أقسى فترة من الفترات التي مرّت على القادة من أئمة أهل
البيت – عليهم السلام – لأنه عاصر قمّة الإنحراف الذي بدأ بعد وفاة الرسول – صلى
الله عليه وآله – وذلك أن الإنحراف في زمن الإمام زين العابدين - عليه السلام – قد
أخد شكلاً صريحاً وانكشف واقع الحكام لدى عامة المسلمين بعد مقتل الإمام الحسين –
عليه السلام – ولم يبقى ما يستر عورة حكمهم أمام الأمة التي خبرت واقعهم وحقيقتهم
المزيفة.
لقد انغمس الأمويون في الترف والبذخ حتى شاع الغناء
في مدينة رسول الله – صلى الله عليه وآله – بشكل يندى له جبين الإنسانية
وصارت مركزاً من مراكز اللهو والمجون وأصبحت معهداً متميزاً لتعليم الغناء بينما
حاربت الشريعة الإسلامية اللهو والمجون ودعت الإنسان المسلم إلى حياة الجد
والإجتهاد وإعمار حياته بالصالحات والإستباق إلى الخيرات والحرص على أثمن لحظات
عمره في هذه الحياة.
أما الحياة العلمية في عصر الإمام زين العابدين – عليه السلام – فقد كانت مشلولة ،
فالدولة سارت سياستها على إقصاء العلماء الواعين حيث أن العلم يهدد مصالحهم القائمة
على استغلال الجهل والغفلة التي روج لها من تقمص الخلافة بعد رسول الله – صلى الله
عليه وآله -.
لقد واجه المسلمون خطرين كبيرين :
الأول :
الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات متنوعة من جراء اختلاطهم مع الشعوب
التي دخلت في دين الله. وكان لابد من عمل على الصعيد العلمي يؤكد في المسلمين
أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدة من الكتاب والسنة ، وكان
لابد من حركة فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن
يحملوا مشعل الكتاب والسنة بروح المجتهد البصير والممارس الذكي الذي يستطيع أن
يستنبط منهما ما يفيده في كل ما يستجد من حالات.
كان لابد إذن من تأهيل للشخصية الإسلامية ومن زرع بذور العلم وهذا ما قام به الإمام
علي بن الحسين – عليه السلام – حيث قام بالدروس في مسجد رسول الله – صلى الله عليه
وآله – حيث تخرج من مدرسته كبار العلماء من التابعين والصالحين أمثال :
سعيد بن المسيب وجابر الجعفي وأبو حمزة الثمالي وأبان
بن تغلب وطاووس اليماني وسعيد بن جبير وغيرهم.
الثاني :
الخطر الذي نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الإمتداد
الهائل حيث أن موجات الرخاء تعرض أي مجتمع إلى خطر الإنسياق وراء ملذات الدنيا
والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقية
والصلة الروحية بالله واليوم الآخر.
لقد أحس الإمام علي بن الحسين – عليه السلام – بهذا الخطر وبدأ بعلاجة واتخذ من
(الدعاء) أساساً لهذا العلاج وكانت الصحيفة
السجادية من نتاج ذلك ، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما أوتي من بلاغة فريدة
وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنية ربانية تتفتق عن أروع المعاني وأدقها
في تصوير صلة الإنسان بربه وتعلقه بمبدئه ومعاده وتجسيد ما يعبر عنه ذلك من قيم
خلقية وحقوق وواجبات.
لقد اسطاع الإمام علي بن الحسين – عليهما السلام – بما أوتي من هذه المواهب أن ينشر
من خلال الدعاء جواً روحياً في المجتمع الإسلامي يساهم في تثبيت الإنسان المسلم
عندما تعصف به المغريات ، وشده إلى ربه حينما تجره الأرض إليها وتأكيد ما نشأ عليه
من قيم روحيه."نقلاً عن مقدمة الشهيد الصدر للصحيفة
السجادية بتصرف."
ظواهر فدة في حياة الإمام زين العابدين :
تميزت حياة الإمام زين العابدين – عليه السلام – بمظاهر فدة وهي وإن كانت ظاهرة في
حياة أبائه عليهم السلام وأبنائه الميامين إلا أنها برزت في سيرته بشكل أكثر وضوحاً
وأوسع مما يستدعي تسليط الضوء عليها :
ظاهرة العبادة :
أجمع المؤرخون أن الإمام زين العابدين – عليه السلام – كان من أعبد الناس وأكثرهم
طاعة لله تعالى. فلقد ملأ حب الله قلب الإمام وسخر عواطفه فكان مشغولاً بعبادة الله
وطاعته في جميع أوقاته وقد سُئلت جارية له عن عبادته فقالت أطنب أم أختصر ، قيل لها
أختصر ، قالت : ما أتيته بطعام نهاراً قط وما فرشت له
فرشاً بليل قط.
لقد قضى الإمام – عليه السلام – معظم حياته صائماً نهاره قائماً ليله مشغولاً تارة
بالصلاة وأخرى بالدعاء. وتحدث الإمام الباقر – عليه السلام – عن خشوع أبيه في صلاته
فقال : "كان علي بن الحسين – عليه السلام – إذا قام في
الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء إلا ما حركت الريح منه".
كانت عبادته ناشئة عن إيمانه العميق بالله تعالى وكمال معرفته وقد عبده لا طمعاً في
جنته ولا خوفاً من ناره وإنما وجده أهلاً للعبادة فعبده.
ظاهرة الدعاء :
لقد أفضى إلى ربه إنقطاعاً تاماً كأعظم ما يكون الإنقطاع فلم يأمل غيره ولم يرجو
سواه ، كان يدعو الله تعالى ويناجيه في كل آن وعلى كل حالٍ مجسداً فقره المطلق إلى
الله جل جلاله. والمتتبع لأدعيته في الصحيفة السجادية يدرك أن الإمام سيد الموحدين
وزعيم العارفين بالله ويجد فيها أبعاداً فكرية وتربوية واسعة المدى بما تحمله من
مضامين عقائدية وعبادية وأخلاقية واجتماعية وسياسية وجهادية حاول من خلالها أن
يحارب العقائد الفاسدة المنحرفة التي عصفت بالعقيدة
من تيارات الإلحاد كالتشبيه والجبر والإرجاء وغيرها مما كان الأمويون وراء
بعثها وإثارتها وترويجها بهدف تحريف مسيرة التوحيد والعدل تمهيداً للردة عن الإسلام
والرجوع إلى الجاهلية الأولى.
ظاهرة البكاء في حياة الإمام السجاد :
غير خفي أن الإكثار من البكاء علي أبيه الشهيد القتيل طيلة حياته لم يكن لمحض الرقة
والعاطفة فقط بل إنه لحظ به غاية سامية وهي تعريف الأجيال المتعاقبة الواعية لهذا
الخطب الجليل وهو شاهد حال لما جرى على أيد الطغاة تجاه العدل والإنسانية. وإذا قيل
له في ذلك قال : "كيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء
الذي هو مطلق للوحوش والسباع". لقد كان البكاء واحداً من الأساليب التي
جعلها لإحياء ذكرى كربلاء.
ظاهرة الإعتاق :
تحرير الرقيق يشكل ظاهرة في حياة الإمام علي بن الحسين – عليهما السلام – بشكل ليس
له مثيل في التاريخ. وإذا تتبعنا ذلك جلياً نجد أن الإمام يهدف من ذلك أهدافاً
نبيلة :
1.
أنه
كان يشتري العبيد والإماء ولكن لا يبقي أحدهم عنده أكثر من سنة واحدة وهذا يعني أنه
كان مستغنياً عن خدمتهم.
2.
أن
الإمام يعامل العبيد معاملة إنسانية مثالية حتى يغرز في نفوسهم الأخلاق الكريمة
ويحبب إليهم الإسلام وأهل البيت – عليهم السلام-.
3.
إن
الإمام – عليه السلام – كان يعلمهم أحكام الدين ويغذيهم بالمعارف الإسلامية بحيث
يخرج الواحد منهم محصناً بالمعارف الحقة والمعتقدات السليمة.
وبذلك يُشكل الرقيق المعتقون جيلاً من الطلاب الذين تربوا في بيت الإمام السجاد –
عليه السلام – وتعلموا من معارفه وأخلاقه الكريمة. وذكر لنا التاريخ أن منهم
العلماء والفقهاء والمجاهدون والمضحون بأنفسهم في سبيل خط أهل البيت – عليهم السلام
-.
أيها المؤمنون إن ما يجري في العراق من جرائم وانتهاك للحرمات والمقدسات يستدعي من
المسلمين أن ينهضوا لإيقاف تلك الإبادة التي يتعرض لها الشعب العراقي المؤمن وإن
هناك مؤامرة في الخفاء بين صدام المجرم وحزبه الكافر وأمريكا الباغية لإبادة الشعب
العراقي. فما نشاهده كل يوم على شاشات الفضائيات من تدمير للبيوت وقتل للأبرياء من
الشعب المغلوب على أمره تحت دريعة الدفاع عن حقوق الشعوب وتحريرها وتحت غطاء
الشعارات الكاذبة يستدعي من المسلمين أن يقفوا في وجه الغطرسة الأمريكية ومنع هذه
الحرب بأية وسيلة ممكنة.
نسأل الله أن يجنب المؤمنين الأعزاء كل بلاء وأن يحفظهم من كل مكروه والله حسبنا
وهو نعم الوكيل.