جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 18/ 01 / 1424هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

ما تمر به أمتنا من أحداث مريرة وخصوصاً هذه الأيام والتي يشهد العالم فيها الهجوم البربري على العراق يستدعي منا أن نستوعب الحدث بما يحمله من نتائج خطيرة على حاضرنا ومستقبلنا. ومن هنا نستجلي الحقائق الآتية :

المحنة والإبتلاء :

المحنته والإبتلاء صفة ملازمة للإنسان منذ اليوم الأول الذي حط فيه قدمه على الأرض حتى تقوم الساعة. لذا كان الإبتلاء في حياة الإنسان غاية وحكمة وسنة من سنن الله في خلقه. فالإبتلاء والإمتحان للإنسان في طريق تكامله وارتقائه فالحوادث والأيام بما تحمل من متاعب ومصائب وشدة وعسر وكذا من أفراح وأتراح ولين ويسر كلها محطات امتحان للإنسان (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (سورة الأنبياء : الآية 35 ).

ولابد للإنسان المؤمن أن يعي أبعاد مسيرته الشاقة ويعي ما وراء ما يمر به من محن وابتلاء وليعلم بأن البلاء كلما اشتد عليه كان ذلك مدعاة لصقله وتهذيبه وإعداده نحو درجات الكمال البشري والمثل الإيماني.

لقد تحدث القرآن للإنسان طويلاً ورسم أمامه صوراً لحياته الغامضة المعقدة وصور له الحياة بآلامها ومسراتها ليعرف كيف يتعامل معها ويواجه التحديات والمنعطفات التي يواجهها في مسيرته كي يُعِدَ نفسه ويهيئها لذلك الأختبار والإمتحان (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (سورة الملك : الآية 2 ) ، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (سورة العنكبوت : الآية 2-3 ). فالحياة في المنطق القرآني ساحة اختبار وامتحان يُصقل فيها الإنسان صقلاً وخصوصاً في ساعات المحنة. ولعل من أبرز صورها هذا الصراع المرير الذي نعيشه هذه الأيام وهو جزء من نظام الحياة عندما تتصارع قوى الشر والظلم والعدوان فتتعرض الحياة البشرية للفساد والدمار والإنحطاط المروع فيعم الدمار البشرية والخراب الأرض ويعيش الإنسان من محنة لأخرى في صورها المتعددة من القتل والهجرة والجوع والتشريد والخوف والإرهاب فلا ملجأ للإنسان المؤمن إلاّ العودة إلى الله سبحانه وتعالى وأن يتقوى إيمانه من خلال الصبر وتحمل المسؤولية ومواجهة الأحداث بنفس مطمئنة هادئة وعليه أن يستوعب الأحداث التي تمر بها الأمة ويستجلي حقائق الأمور جلياً.

الحرب في المنطقة :

من خلال ما تشهده المنطقة تستجلي الأمور التالية :

1.  إن هذه الحرب هدفها الإستيلاء على ثروات المنطقة والسيطرة على مقدرات الأمم والشعوب.

2.  إن هناك مخططات خبيثة وراء هذه الحرب تستهدف الإسلام ومقدساته والقضاء على الصحوة الإسلامية.

3.  إن المتضرر الوحيد من هذه الحرب هو الشعب العراقي الجريح الذي قاسى شتى المحن والمتاعب طيلة ثلاثين عاماً منذ وصول حرب البعث الكافر إلى هذا اليوم حيث خرب البلاد وقضى على العباد وقتل الآلاف من  المؤمنين والعلماء وقضى على الحوزات العلمية وخاض حروباً خاسرة راح ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان.

فالشعب العراقي يعيش بين نارين نار الطاغية والنظام البعثي ونار القوى العالمية والاستكبارية التي تدعي أنها جاءت لتخليصه وتحريره وهم الذين جاؤا بالطاغية ودعموه بكل الأسلحة الخطيرة التي استعملها ضد هذا الشعب المقهور.

الإمام المهدي – عليه السلام - :

يجب أن نعي حقيقة مهمة للغاية وهي أن هذه الأحداث والمتغيرات لعلها إقرارات مهمة لظهور الإمام المهدي – عجل الله فرجه وسهل مخرجه -. ولعل من يتابع تتابع الأحداث والمتغيرات الدولية المتسارعة لا يجد تفسيراً واضحاً لذلك إلاّ الإدعان بحتمية الظهور الموعود الذي بشرت به الرسالات الإلهية. والملاحظ في عقائد الأديان بشأن المصلح العالمي أنها تستند إلى نصوص واضحة في كتبهم المقدسة القديمة وليس إلى تفسيرات غامضة.

كما أن الملاحظ أن الإيمان بحتمية ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة العالمية التي تضع الحرب فيها أوزارها ويعم السلام والعدل العالم لا يخص الأديان السماوية بل يشمل المدارس الفكرية والفلسفية غير الدينية حيث تؤمن هذه المدارس بفكرة المخلص العالمي أو يوم الخلاص.

وإن من المؤكد أن البشارات السماوية الواردة في الكتب المقدسة تهدي إلى المهدي المنتظر الذي يؤمن به الشيعة والوارد في نصوص مدرسة أهل البيت – عليهم السلام – الذي يؤسس دولته العالمية الكبرى إنطلاقاً من هذه المنطقة من العالم وبالخصوص – الكوفة – أو ظهر الكوفة – كما في الروايات -. ولعل ما يشهده العراق بالخصوص في هذه الأيام والمنطقة بشكل عام دليل على حتمية الظهور المرتقب وإن الغرب إنما جاء للقضاء على هذا التحول المرتقب.

وفي الختام نسأل الله أن يعجل لوليه بالظهور لأنه الأمل الغائب الذي تنتظره الشعوب المحرومة ولسان حالها "ليت شعري أين استقرت بك النوى ، وأي أرض تقلك أو ثرى ، أبرضوى مغيب أم بذي طوى ، عزيز عليّ أن أرى الخلق ولا ترى ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى".

ونسأله أن يجنب الشعب العراقي المؤمن هذه الحرب وأن يحفظ الحوزات العلمية ومراجع التقليد والعتبات المقدسة ، والحمد لله رب العالمين. 


جاروديات : كلمة الجمعة