كلمة الجمعة الموافق 11/ 01 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
من
المفاهيم العميقة الواردة في زيارة وارث مفهوم "ثأر
الله" وهذا المعنى الكبير يطرح علينا سؤلاً من صلب واقعة كربلاء وهو :
ما المراد من الثأر ؟ وكيف يكون الحسين – عليه السلام –
ثأر الله وابن ثأره ؟.
الثأر
في اللغة : الطلب بالدم. والثائر :
الطالب بالدم.
والثأر سنة
تاريخية قديمة ، والعرب قبل الإسلام كانوا من أكثر الأمم والشعوب اهتماماً بمسألة
القصاص والإنتقام وملاحقة المجرم. فما هو المنظور
الإسلامي لمعنى الثأر والإنتقام من القاتل ؟.
الثأر في المعنى الإسلامي :
عندما تكون
إراقة الدم من أجل قضية التوحيد والعبودية لله وتحكيم رسالة الله في الأرض فإن
الأمر يختلف ، فالدم هنا أريق في قضية رسالية وليس قضية شخصية والأمر يتعلق بأسرة "التوحيد" ولا يتعلق بالأسرة العائلية
بمعناه الضيق.
وأسرة
التوحيد بمجموعها ثائرة لهذا الدم وليس ذوو الذم من الأسرة الشخصية للمقتول. كما
أن الظلامة تقع على كل أفراد أسرة التوحيد وكذلك العدوان هنا يصدر من أسرة الشرك
بأسرها وليس من أفراد بخصوصهم ما دام يجمعهم الرضا بذلك "لعن
الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به".
فالثأر في
مثل هذه القضية لا يخص الأيدي التي تلطخت بالجريمة مباشرة وإنما يعم كل الراضين
بذلك. فالجريمة إذاً من أسرة الشرك على أسرة التوحيد والثأر لأسرة التوحيد من أسرة
الشرك وحق الثأر لا يتحدد بعصر أو جيل ما دامت
الظلامة باقية وما دام هناك دم أريق ظلماً وعدواناً فكل جيل من أجيال
التوحيد لا بد أن يطلب بالثأر ويسعى له برفع الظلامة.
ثأر الله :
دم الشهيد
الذي يراق من أجل قضية توحيد الله وحاكميته تعالى يجعل ولي الدم وهو الله لأنه ولي
أسرة التوحيد ، قال تعالى : (اللّهُ
وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ
إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
(سورة البقرة ، الآية 257).
الله تعالى
هو الذي يتولى الثأر لدم الشهيد ويضمن له أن يأخذ بثأره من بين سائر الدماء وهذا
هو معنى "ثأر الله" الوارد في زيارة
وارث "السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره".
لقد كان من
عادة العرب "قبل الإسلام" أن تنصب
راية حمراء على قبر القتيل حتى يتم الثأر له وتبقى هذه الراية لتذكر أفراد القبيلة
بالدم الذي أريق ظلماً ولتستصرخ ضمائر أفراد القبيلة. والذين يزورون مرقد الإمام
الحسين – عليه السلام – اليوم يرون على قبته هذه الراية الحمراء ترفرف لتذكر
الأجيال المؤمنة من أسرة التوحيد بالثأر لكي لا تنام هذه الأمة على الظلم ولمّا
يثأر المؤمنون بعد للدم الذي أريق بكربلاء ظلماً وعدواناً.
لقد تحقق
الإنتقام الإلهي والثأر من قتلة الحسين بعد واقعة كربلاء وسقط الطاغية وانتهت دولة
بني أمية ولكن لم تكن كربلاء صراع بين طائفتين من المسلمين
تتعلق بالحكم والسلطان في الحياة الدنيا وإنما الصراع بين معسكرين وحضارتين
وفكرتين ومدرستين ، بين الإسلام والجاهلية ، فالجاهلية الأولى انهزمت أمام
انطلاقة الدعوة الإسلامية ولكنها عادت من جديد إلى صلب الحياة لتصادر كل مكاسب
الإسلام في الحكم والإدارة والاقتصاد والتعلم والأخلاق والعقيدة ، ونجحت هذه
المحاولة نجاحاً كبيراً حتى استطاعت أن تتسلل من خلال بني أمية إلى الخلافة.
وأرادت أن تصفي رجالات الإسلام فأعملت السيف فيهم في زمان عثمان ومعاوية ويزيد
واعتدت على قيم الإسلام ومقدساته "مكة المكرمة
والمدينة المنورة" وكان الحسين – عليه السلام – يدرك هذه الحقيقة
إدراكاً جيداً ويرى رؤية واضحة عودة الجاهلية إلى صلب المجتمع من جديد تحت مظلة
بني أمية ويرى غفلة الأمة عن هذه المأساة فلم يجد بداً من أن ينهض بأهل بيته
وأصحابه ليكافح هذا التيار – الجاهلي – فكانت واقعة كربلاء مقاومة حقيقية "لإيقاف الردة الجاهلية" وإيقاف التيار
الجاهلي وصده من التقدم وفضحه وكشفه وتنبيه الأمة إلى عمق المأساة وخطورتها.
إن
الإنتقام الحقيقي لدماء شهداء كربلاء ليس في انزال عقوبة القتل في القاتل وإنما الإنتقام الحقيقي هو تحقيق الغاية التي قاتل من أجلها
أهل البيت – عليهم السلام – وكشف حقيقة الردة وإيقاف تيار الجاهلية في كل
زمان وعلى يد الأجيال المؤمنة بأهداف الحسين وثورته والسائرين في مظلته وتحت
رايته.