كلمة الجمعة الموافق 04 / 01 / 1424هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
يوم
عاشوراء هو اليوم الثاني في الإسلام بعد يوم بدر "يوم
الفرقان" حيث شطر الناس إلى شطرين متمايزين في الولاء والأخلاق والفكر
والخط والعقيدة ، ولا يزال عاشوراء يفرق الناس في الولاء والبراء وإلى أن يأذن
الله بنهاية الأرض ومن عليها. فمعركة الطف كانت معركة حقيقية في الأبعاد العقائدية
والحضارية والسياسية ولذلك تتطلب مواقف حقيقية من الولاء والبراء وترفض التفرج
والتخلف حيث يتجلى موقفان لا ثالث لهما : إما مع الحق
وإما مع الباطل.
الطوائف الثلاث الملعونة :
ورد في زيارت وارث اللعن والبراء من
ثلاث أمم وطوائف :
الأولى : "لعن الله أمة
قتلتك" وهي الطائفة التي باشرت قتال الحسين – عليه السلام - ، "لعن الله أمة أسرجت وألجمت وتهيأت وتنقبت لقتالك".
الثانية : وهي الطائفة التي ظلمت الحسين – عليه السلام –
، "لعن الله أمة ظلمتك" ، وهي التي
مكنت وشايعت وبايعة وظاهرت عليه وهذه الطائفة تشمل كل أولئك الذين أعدوا لقتال
الحسين – عليه السلام – أو مكنوا منه أو أعانوا الطاغية في قتاله بطريقة أم بأخرى
حتى بالكلمة أو بالفتوى أو بالسخرية والإستهزاء.
الثالثة : الشريحة الراضية "لعن
الله أمة سمعت بذلك فرضيت به" ، وهذه الطائفة تستوقف الإنسان طويلاً ،
فمن هم أولئك الذين سمعوا بذلك فرضوا به. إن هذه الطائفة ليست بالتأكيد مشاركة في
القتال ولا مشاركة في الممارسة بالظلم بصورة عملية وليست داخلة ضمن الطائفتين
الأوليتين وإنما لابد أن تكون ممن سمعوا استنصار الحسين – عليه السلام – ولم
ينصروه وآثروا العافية على الوقوف بجانب سيد الشهداء – عليه السلام – في معركة
الطف وخذلوه حيث لا يجوز السكوت والخذلان والقعود عن نصرة الحسين – عليه السلام –
في معركته مع طاغوت عصره حيث أن ذلك ينطوي تحت الرضا بما قام به يزيد. ولذا ورد في
جملة النصوص "لُعنت أمة قتلتكم وأمة خالفتكم وأمة
جحدت ولايتكم وأمة ظاهرت عليكم وأمة شهدت ولم تشهد".
نماذج المتخلفين :
في
كل صراع هناك ثلاثة أطراف : الطرفان المتصارعان والطرف
المتفرج المتخلف. وفي ثورة الحسين – عليه السلام – كان هناك نماذج لهؤلاء
المتخلفين والذين استصرخهم الحسين ولم ينصروه ومنهم:
عبدالله بن الحر الجعفي : التقى به الحسين –
عليه السلام – في قصر بني مقاتل ودعاه لنصرته والفوز بالشهادة حيث قال له : يا بن
الحر ، إن أهل مصركم قد كتبوا إلي أنهم يجتمعون على نصرتي وسألوني القدوم عليهم
وليس الأمر على ما زعموا وإن عليك ذنوباً كثيرة فهل لك من توبة تمحي بها ذنوبك ؟
فقال : ما هي يا بن رسول الله ؟ فقال : تنصر ابن بنت نبيك وتقاتل معه. فقال ابن
الحر : والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة ولكن ما عسى أن أغني عنك
ولم أخلف لك في الكوفة ناصراً ،
فأنشدك الله أن لا تحملني على هذه الخطة ، فإن نفسي لا تسمح بالموت ولكن فرسي هذه "الملحقة" والله ما طلبت عليها شيئاً إلا
لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليه إلا سبقته فخذها فهي لك. فقال الحسين – عليه السلام
- : أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا بفرسك ولا فيك ، وما كنت متخذ المضلين
عضدا وإني أنصحك كما نصحتني : إن استطعت أن لا تسمع صرختنا ولا تشهد وقعتنا فافعل ، فوالله لا يسمع واعيتنا
أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم. وندم ابن الحر على ما فاته من نصرة
الحسين – عليه السلام – فكان يردد هذه الأبيات حتىمات :
|
تـردد بين صـدري والتـراقي
أتتـركنـا وتعـزم بالفــراق
على أهـل العـداوة والشقـاق
لنـلت كرامـة يـوم التلاق
فـودع ثم أســرع بانطلاق
وخـاب الآخـرون ذوو النفاق
|
|
إيـاك حسـرة مـا دمت حيا
غـداة تقـول لي بالقصر قولا
حسين حين يطلب بذل نصري
ولـو واسيتـه يومـاً بنفسي
مع ابـن محمد تفـديه نفسي
لقـد فـاز الألى نصروا حسيناً
|
الضحاك بن عبدالله المشرفي : رافق الحسين – عليه
السلام – إلى ساحة المعركة ودخل المعركة معه وقاتل قتال الأبطال وأبلى بلاء حسناً
في القتال واستحسنة الإمام الحسين – عليه السلام – ولكنه اشترط على الإمام عليه
السلام منذ أن التحق به أن يجعله في حل منه إذا دارت دائرة الحرب عليه ولم يعد
ينفعه قتاله ودفاعه عنه ، فلما رأى أن المعركة دارت على الحسين – عليه السلام –
ووجد أن الحسين – عليه السلام وأهل بيته وأصحابه لا محالة مقتولين ولم يعد ينفع
الحسين قتاله ودفاعه استأذن الحسين – عليه السلام – أن يترك ساحة القتال وينجو بنفسه فأذن له الحسين –
عليه السلام – كما وعده من قبل فهرب الضحاك المشرفي بنفسه من ساحة المعركة وترك
الإمام ومن معه.
بعد
الوقوف على هذين النموذجين من المتخاذلين نقول إن عاشوراء مفترق طرق ومن فارق
الحسين – عليه السلام – في عاشوراء عن علم وعمد وسمع واعيته وحضر استغاثته ولم
ينصره فسبيله إلى جهنم وبئس الورد المورود. ومن كان رأيه من رأي الحسين وهو مع
الحسين وموقفه مع الحسين كان سبيله الجنة وذلك أن الحسين – عليه السلام – وارث
الأنبياء والصديقين والمرسلين في مسيرة التأريخ فمن كان مع الحسين كان لا محالة مع
حركة الأنبياء والمرسلين ، ومن كان هواه مع آل أبي سفيان كان موقفه لا محالة مع
أعداء الأنبياء وخصومهم.
لقد
ورد في بعض النصوص : "لبيك داعي الله إن لم يجبك
بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري ورأسي
وهواي".
فهذه
هي التلبية الحقيقية لحقيقة النصرة التي تحدد موقف الإنسان المسلم من قضية الحسين
– عليه السلام – في صموده وثباته في مواجهة الظالمين.