كلمة الجمعة الموافق 20 / 12 / 1423هـ في مسجد
الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
بمناسبة
حلول عيد الغدير الأغر نرفع آيات التبريكات لمقام إمام العصر – عجل الله فرجه – ولنوابه
بالحق وللأمة الإسلامية سائلين المولى أن يعيده علينا وعليكم باليمن والبركات
والأمة ترفل بالسعادة والإطمئنان في رحاب عيد الولاية المجيد.
قال
تعالى : )يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:
من الآية67).
الولاية
من الأركان الأولى لوجود الإسلام وهي ركيزة من ركائزه الثابتة التي لا يمكن أن
ينهض له كيان بدونها أو بدون وليها الأعظم عليه السلام ، وجاء الغدير ليحدد هذا
المبدأ القديم ومسؤولية الأمة المسلمة اتجاهه.
والرسول
– صلى الله عليه وآله – حين جمع في حديث الغدير بين ولايته وولاية علي – عليه
السلام – والتي جعلها الله له كان يعني أن كلتا
الولايتين ينبعان من مصدر واحد ويجريان في خط واحد نحو مصب واحد ، فلا غنى
لأحدهما عن الآخر فبهما معاً تتكامل أدوار الرسول – صلى الله عليه وآله – وعلي –
عليه السلام – وبهما معاً تتضح معالم هدي الله سبحانه وبيناته.
وهذا
التوحد بين علي وولايته وسائر أركان الإسلام ومكوناته لم يؤخذ فيه حد معين في
الزمان أو المكان أو أي قيد من القيود ، فكما لم توجد رسالة النبي محمد – صلى الله
عليه وآله – بدون الولاية في عهد التبليغ فإن هذه الرسالة لا يمكن أن توجد الآن أو
في أي زمان آخر بدون الولاية بعد ذلك العهد ما بقي على هذه البسيطة إنسان فقد شائت
حكمة الله تعالى بأن تقيم علي – عليه السلام – الحجة لهذا الدين العظيم وتأخذ بيده
في سبيل الخير والهدى.
لقد
انطلق رسول الله في مشهد الغدير ليحدد هذا المقام التوحيدي بين ولايته وولاية علي
بن أبي طالب في المصدر والمفهوم والحدود :
"إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ،
من كنت مولاه فهذا مولاه الله وال من والاه" ، "ألستم تزعمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قالوا :
بلى يا رسول الله ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه".
كما أنه عليه السلام بيَّن في مشهد الغدير جانباً كبيراً من
مسؤولياتها وحدودها حيث قال :
"فإن الله قد نصبه لكم والياً وإماماً ، وفرض طاعته على كل أحد
، ماضٍ حكمه ، جائز قوله ، ملعون من خالفه ، مرحوم من صدقه ، اسمعوا له وأطيعوا
فإن الله مولاكم وعلي إمامكم فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه فهو الذي يهدي إلى
الحق ويعمل به ، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له حتماً على الله أن يفعل
ذلك".
وتتواتر الأحاديث حول مسؤولية الإنسان المؤمن اتجاه هذه الولاية :
"من يريد أن يحي حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة الخلد التي وعد
ربي فليتولى علي بن أبي طالب فإنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ظلالة" ، "ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالتزموا علي بن أبي
طالب فإنه أول من يراني وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو فاروق
هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل وهو يعسوب الدين".
ولم
ينفرد الرسول – صلى الله عليه وآله – ببيان هذا المعنى للولاية في مسؤولية المؤمن
اتجاهها ، فالقرآن الكريم قد وحد بين ولاية الله وولاية الرسول – صلى الله عليه
وآله – وولاية الإمام علي – عليه السلام - ، قال تعالى : )وَمَنْ
يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) والمقصود بالذين آمنوا في الآية
علي بن أبي طالب وذلك بعد تصدقه بالخاتم في ركوعه.
من هنا يتضح :
أن
موقف المسلم اتجاه علي بن أبي طالب يجب أن يكون امتداداً لموقفه اتجاه بارئه تعالى
واتجاه رسول الله – صلى الله عليه وآله – في التبعية والإنقياد والطاعة. وما لم
يُتم المسلم طاعة الله ورسوله بطاعته لعلي – عليه السلام – والأئمة – عليهم السلام
– لا يمكنه أن يستكمل إيمانه بل ولا إسلامه. والولاية بهذا المعنى هي أهم القواعد
الإسلامية في بنية المؤمن التي يبني عليها جميع مكونات وجوده وشخصيته قبل أن ينطلق
في التعامل مع مختلف جوانب الحياة التي يعيشها ويستقيم في سبيل الكمال الذي يطلبه.
ونحن
نعيش هذه الأيام في رحاب هذه الولاية ، ما أحوجنا إلى الاعتصام بحبلها والأخذ
بركائزها في وقت تتكالب فيه قوى الشر ضد الإسلام ومقدساته حيث نشهد هذه الأيام
الغرب وهو يجمع قواه لغزو المنطقة بحججه الواهية.
نسأل
الله أن يجنب الشعب المؤمن في العراق هذه الكوارث التي يكابدها بلا جرم ولا جريرة
وأن تنتهي هذه المحنة بزوال الكابوس الجاثم على صدره أكثر من ثلاثين عام ، ونسأل
الله أن يحفظ العتبات المقدسة في العراق والحوزة العلمية في النجف وأعلامها العظام
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.