جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 28/ 11 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى :)يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً) (مريم:12-13).

تطل علينا مناسبة جليلة وهي شهادة الإمام محمد بن علي الجواد – عليهما السلام – الإمام التاسع من أئمة الهدى – عليهم أفضل الصلاة والسلام - ، حيث يمكن أن نتعرض فيها إلى دراسة الإمامة المبكرة التي بدأت بالإمام الجواد – عليه السلام – وانتهت بالإمام الحجة المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – الذي قام بأعباء الإمامة وهو ابن أربع سنين.

الإمامة  المبكرة

نهض الإمام الجواد – عليه السلام – بأعباء الإمامة الشرعية للمسلمين وهو لم يبلغ الحلم على نحو ما حدث لعيسى بن مريم – عليهما السلام – حيث أوتي النبوة في  المهد ، وقد أوجدت هذه الظاهرة حالة من الشك والتساؤول لدى البعض حتى من المؤمنين بأهل البيت – عليهم السلام – والمعتقدين بإمامتهم بعد رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -. لكن الإمام الجواد – عليه السلام – استطاع أن يدحض هذه التشكيكات ويجيب على التساؤلات المعلنة والخفية بما أوتي من فضل وعلم وحكمة وحنكة.

قال الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر "إن الإمام الجواد – عليه السلام – بدعواه الإمامة المبكرة وتحديه لكل المواقف وصموده أمام كل الإثارات والتساؤلات والاختبارات شكل دليلاً تاريخياً علمياً قاطعاً على حقانية دعواه ومذهبه وخطه وهو خط أهل البيت – عليهم السلام – الذي كان يمثله الإمام الجواد – عليه السلام – في مجال إمامة المسلمين وزعامة الأمة الإسلامية التي بدأت بالقيادة النبوية. تلك الأمة التي خلفها الرسول الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – لتتكامل وتؤسس الحضارة الإسلامية على أسس إلهية وقيم ربانية. وأن التراث الذي تركه لنا هذا الإمام العظيم لدليل قاطع على عظمة الدور الذي قام به هذا الإمام في تبلور العقيدة الشيعية في مجال القيادة الإسلامية التي أكدتها الروايات القرآنية والنصوص النبوية الشريفة".

أمّا التساؤلات فقد تم حسمها من خلال الأحاديث والتوجيهات والإرشادات التي صدرت عن والده الإمام الرضا – عليه السلام – وانتشرت بين أصحابه والموالين لأهل البيت في البلدان المختلفة كخراسان والحجاز والعراق وغيرها.

وقد قام الإمام الجواد – عليه السلام – بنفسه بنشاط واسع لتبديد تلك الشكوك التي أثيرت بعد وفاة الإمام الرضا – عليه السلام – وهو ما نفهمه من مجموعة من الروايات منها هذه الرواية :

أورد السيد المرتضى – رحمه الله – في عمدة المعجزات أنه لما قبض الرضا – عليه السلام – كان سن أبي جعفر – عليه السلام – نحو سبع سنين ، فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد وفي الأمصار ، واجتمع الرّيان بن الصلت وصفوان بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبدالرحمن بن الحجاج ويونس بن عبدالرحمن وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبدالرحمن بن الحجاج في بركة زلول يبكون ويتوجعون من المصيبة ، فقال لهم يونس بن عبدالرحمن : دعوا البكاء لهذا الأمر وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا ؟ يعني أبا جعفر – عليه السلام -. فقام إليه الرّيان بن الصلت ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول له : أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشك والشرك. إن كان أمره من الله جل وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه ، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحد من الناس ، هذا مما ينبغي أن يفكّر فيه ، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه ، وكان وقت الموسم ، فاجتمع فقهاء بغداد والأمصار وعلماؤهم ثمانون رجلاً ، فخرجوا إلى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر – عليه السلام - ، فلمّا وافوا أتو دار جعفر الصادق – عليه السلام – لأنها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج إليهم عبدالله بن موسى ، فجلس في صدر المجلس وقام منادٍ وقال : هذا ابن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فمن أراد السؤال فليسأله.

فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب فورد الشيعة ما حرّهم وغمّهم. واضطرب الفقهاء ، وقاموا وهمّوا بالإنصراف ، وقالوا في أنفسهم : لو كان أبو جعفر – عليه السلام – يكمل لجواب المسائل لما كان من عبدالله ما كان من الجواب بغير الجواب.

ففُتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال : هذا أبو جعفر ، فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلّموا عليه فدخل صلوات الله عليه ، وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وأمسك الناس كلهم ، فقام صاحب المسألة ، فسأله عن مسائله ، فأجاب عنها بالحق ، ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له : إن عمّك عبدالله أفتى بكيت وكيت ، فقال : "لا إله إلا الله يا عمّ إنه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك : لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم ، وفي الأمة من هو أعلم منك؟!".

وروى إسماعيل بن بزيغ : سألته – أي الإمام الجواد – عن شيء من أمر الإمام فقلت : يكون الإمام ابن أقل من سبع سنين ، فقال "نعم وأقل من خمس سنين".

وقد أجاب الإمام الجواد  - عليه السلام – عندما قال له أحدهم : يا سيدي إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك.

فقال – عليه السلام – "وما ينكرون من ذلك قوله عز وجل ، لقد قال الله عز وجل لنبيه – صلى الله عليه وآله – )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: من الآية 108) فوالله ما تبعه إلاّ علي – عليه السلام – وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين".

وإذا أردنا أن ندرس هذه الظاهرة "الإمامة المبكرة" على أساس المعايير الإلهية من جانب فرض الإمامة الواقعية الربانية في شخص لا يزيد عمره عن سبع سنين ويقوم فعلاً بقيادة وهداية هذه الطائفة في كل المجالات الروحية والفكرية والدينية لا نجد ذلك محالاً أو غريباً بحسب عقيدتنا القائلة أن الإمامة جعلٌ تشريعي ومرحلة من مراحل الإصطفاء الإلهي والقرآن الكريم أكد على ذلك في شواهد تاريخية لأنبياء الله.

ومن ذلك ما رواه علي بن أسباط قال : رأيت أبا جعفر – عليه السلام – وقد خرج عليّ فأخذت أنظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر ، فبينما أنا كذلك حتى قعد فقال : "يا علي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة فقال ) وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم: من الآية12))وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) (يوسف: من الآية22))وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) (الاحقاف: من الآية15) فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين".

فإن تصدي الإمام الجواد – عليه السلام – لإمامة المسلمين وهو صبي كانت معجزة بذاتها وما أظهره الله على يديه من المعارف الإلهية وتحديه لكبار الفقهاء كان من مصاديق الصفة الإعجازية في الإمام – عليه السلام – ومن الأدلة التي تجسد مدى علاقته وارتباطه بالله تعالى وقربه منه وحجم الدعم الغيبي الذي كان يحضى به الإمام من عند الله.

ومن ذلك مناظرته لقاضي القضاة يحي بن أكثم عندما أراد المأمون تزويج الإمام الجواد – عليه السلام – بابنته أم الفضل وقد اعترض العباسيون على المأمون في تزويجه وطلبوا امتحانه وقد أجمعوا على أن يسأله يحيى مسألة لا يعرف الجواب فيها وكان ذلك في يوم الخطبة ، فتقدم يحيى بن أكثم للمأمون فقال : يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة. فقال له المأمون استأذنه في ذلك ، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال : أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال أبو جعفر – عليه السلام – سل إن شئت. قال يحيى ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً.

فقال أبو جعفر – عليه السلام – : "قتله في حلٍّ أم في حرم ، عالماً كان المحرم أم جاهلاً ، قتله عمداً أو خطأً ، حراً كان المحرم أم عبداً ، صغيراً كان أو كبيراً ، مبتدئاً بالقتل أو معيداً ، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ، من صغار الصيد أم من كبارها ، مصراً على ما فعل أو نادماً ، في الليل كان قتله أم في النهار ، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً"

فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع وعرف الناس أمره.

وجائت هذه المناظرة لإثبات إمامته وعلمه أمام الناس في وقت راحت الجهات المعادية تشن حملة إعلامية شديدة على الإمام – عليه السلام – بادعائها أنه لا يفقه من الدين شيئاً وذلك لصغر سنه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة