جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 07 / 11 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 07  / 11 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (سورة البينة ، الآية رقم 5).

التوحيد الخالص حقيقة عالية تهفو إليها قلوب العارفين وترنوا إليها قلوب الصالحين وهي الصبغة الحقيقية للحياة المثالية التي تتجرد عن روح المادة. والمدخل الحقيقي لهذه الحياة هو الإخلاص في العبادة.

والسؤال الذي يتجلى لنا هنا هو :كيف يستطيع الإنسان أن يجعل عبادته خالصة لله سبحانه بعيدة عن جميع البواعث والأغراض؟.

وللإجابة على هذا التساؤل نقول : إن الأصل في العبادة أن يعيش الإنسان حالة العبودية مع المالك الحقيقي لكيان الموجودات وهو الله ، قال تعالى : (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (سورة مريم ، الآية 93).

فالعبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه وأن يعيش حالة الخضوع التي تتجرد عن دواعي الاستكبار والغرور ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (سورة غافر ، الآية 60). وبإمكان العبد أن يتلبس بهذه الحالة إن أراد وسعى من أجلها ولذا قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (سورة البينة ، الآية 5) حيث أن الإخلاص هو الأساس في تفاوت العبّاد في مقامات القرب من الله وله مراتب متعددة :

1.  تصفية العمل عن الرياء وهو شرط في صحة العبادة.

2. تصفية العمل عن المقاصد والضمائم الدنيوية وإن كان الداعي للعمل هو الله: كالوضوء للصلاة بضميمة طلب التبريد والغسل بضميمة إزالة الأوساخ عن الجسد ، فهنا وإن كان الداعي هو الإمتثال إلى أمر الله وهو الفرض الأصلي من امتثال العبد لكن هذه الضمائم مقصودة.

3. تصفية العمل عن المقاصد الأخروية كالرغبة في الجنة والخوف من النار: فالعبادة هنا لله تعالى والخوف والرجاء ليس إلا باعث على العبادة ومحفزٌ عليها وهذه العبادة وإن كانت مرتبة من مراتب الخائفين المترقبين ولكن لا تصل إلى مقام الإخلاص وهو أن تكون العبادة بداعي الحب والشوق والمعرفة وأن الله أهل للعبادة ، وإلى هذا المعنى أشارت مجموعة من الروايات منها :

1. قال أمير المؤمنين – عليه السلام - :"إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار"

2. وقال الإمام الصادق – عليه السلام - : "إن الناس يعبدون الله على ثلاث أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء ، وهو الطمع ، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد ، وهي رهبة ، ولكني أعبده حباً له عز وجل ، فتلك عبادة الكرام ، لقوله عز وجل (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (سورة النمل ، الآية 89) ولقوله عز وجل (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) (سورة آل عمران ، الآية 31) فمن أحب الله عز وجل أحبه ، ومن أحبه كان من الآمنين ، وهذا مقام لا يمسه إلا المطهرون".

3. وقال الإمام عليه – عليه السلام - : "ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

بواعث الإخلاص :

من خلال ما تقدم لابد للإنسان أن يسعى ما بستطاعته لتعميق الإخلاص في نفسه وذلك بتمحيص بواعث الإخلاص وهي "الحب والشكر والأهلية للعبادة" وهذا أمر ليس من الأمور الصعبة على الإنسان المؤمن الذي تجلت له حقيقة العبودية والتبعية لخالق الوجود في كل كيانه ووجدانه وأصبح موحداً حقيقياً فلا يرى شيئاً إلاّ رأى الله قبله ومعه وبعده ولا عرف شيئاً إلاّ عرف الله قبله وبعده ولا يرى الجنة ولا النار إلاّ سوى مظهر من مظاهر رحمة الله وغضبه. قال رسول الله – صلى الله عليه وآله –"إن لكل حق حيقية وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شيء من عمل الله" ، وفي وصية النبي – صلى الله عليه وآله – لأبي ذر رحمه الله قال : "يا أبا ذر لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله تبارك وتعالى أمثال الأباعر ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها".

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة