جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 30 / 10 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 30  / 10 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - : "العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى ، وقوة الأبدان من الضعف ، ينزل الله حامله منازل الأحياء ويمنحه مجالسة الأبرار في الدنيا والآخرة".

كم نحن اليوم في أمس الحاجة للإتصال بالماضي الغابر والعودة إلى تاريخ الأوائل والعظماء من حملة العلم والعقيدة الذين حملوا مشعل الهداية والإصلاح التي مجَّدها التاريخ وخطها على صفحات الإنسانية بأحرف من نور ، لأنهم هم الذين عرفوا أسرار الحياة ورسموا لأنفسهم طريق السلوك فيها على نهج الاستقامة والسداد والحكمة والرشاد.

ومن أولئك الأفداد العظماء محدث الطائفة وجمال الملة والدين ، فخر العلماء المحققين ، آية الله العظمى الشيخ حسين آل عصفور – قدس سره – والذي تمر علينا في هذه الأيام ذكرى شهادته. وفي هذه المناسبة يجدر بنا أن نقف على بعض الجوانب البارزة التي تميز بها هذا العالم المقدس الذي كان من المجددين للمذهب الإمامي على رأس الألف والمائتين كما ذكر ذلك العلامة البلادي في أنوار البدرين.

وحركة التجديد في المذهب الشيعي أفصحت عنها مجموعة من الروايات الصريحة منها :

1.  عن الإمام الصادق – عليه السلام – عن رسول الله – صلى الله عليه وآله – قال :"يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين".

2. وقال الشيخ البهائي :"إن من خواص الشيعة أن لهم على رأس كل مائة سنة من يجدد مذهبهم وكان مجدده على رأس المائتين علي بن موسى الرضا – عليه السلام – وعلى رأس المائة الثالثة محمد بن يعقوب وعلى المائة الرابعة علي بن الحسين المرتجى"

ولم يكن الدور الذي قام به هذا العالم الكبير دوراً عادياً في تاريخ الفقه الشيعي ، بل كان دوراً منفرداً في ملامحه وطبيعته ومراحله أعطى للفقه الشيعي نمواً وعمقاً وانتعاشاً تجلى في ابتكاراته العلمية التي طفحت بها استدلالاته الدقيقة وفي سعة تحليله وتقريره للمباني وإحاطته بالأدلة وتبحره في علم الحديث واستدار له الشيء الكثير مما لم يعثر عليه من تقدمه في قوة الاستقصاء والاستقراء والتتبع.

وللتوضيح نقول : أنه لابد أن يملك الفقيه ذوقاً فقهياً سليماً خالياً من التعقيد بعيداً عن التكلف مسترسلاً في فهم الحكم الشرعي ، فإن الذوق الشخصي والنظرة العامة التي تتكون لدى الفقيه عن الفقه تؤثر كثيراً في فهمه للأدلة والقواعد ويسمى عادة هذا الذوق بالشم الفقهي. ولا يستغني الفقيه عن هذا الشم الفقهي أو الذوق الفقهي في الاستنباط مهما بلغ علمه بالأصول والقواعد.

ويتكون لدى الفقيه هذا الحس من الإطلاع الواسع على الكتب الفقهية القديمة والمعاصرة ودراسة القرآن والحديث بإمعان ومحاولة تكوين نظرة عامة عن روح هذا الفقه واتجاهه العام.

ومن الطبيعي أن الفقيه لا يتيسر له أن يبلغ هذا المبلغ من العلم والفقاهة دون أن يُمضي أمداً طويلاً في الدراسة والقراءة والتطبيق والمناقشة والإطلاع على الموسوعات القرآنية والحديثية والفقهية لمختلف طبقات المفسرين والمحدثين والفقهاء.

وإذا أردنا أن نُدلل على مدى سعة أفق ومكانة الشيخ العلمية في تاريخ الفقه الشيعي فهناك أكثر من شاهد :

1. اختصاصه بعمه فقيه الطائفة الشيخ يوسف آل عصفور البحراني: حيث لا زم دروسه كلها وخصوصاً في زمان اشتهاره وزعامته للطائفة وتصديه للتدريس في كربلاء المقدسة حتى أجازه بإجازة كبيرة اسماها "لؤلؤة البحرين" وأوصاه أن يتم الحدائق النظارة وبالفعل أتمها على نفس النهج والقوة والمتانة العلمية.

2. ترك ثلاث دورات علمية في الفقه الإستدلالي :أ. الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع.   ب. الرواشح السبحانية في شرح الكفاية الخرسانية.  ج. السوانح النظرية في شرح البداية الحرية.

3. قوة الحافظة التي كان يتمتع بها : ومما يدل على ذلك إملاؤه كتاب النفحة القدسية في ثلاثة أيام على تلامذته من دون سبق ترتيب أو تبويب وقد تعرض لامتحانات من جمع من الفضلاء مراراً لاستكشاف دقة حفظه وعجيب أمره فوجدوا أنه لا يسقط كلمة ولا حرفاً. وكذلك قصته مع السيد محمد الصنديد القطيفي والتي ذكرها صاحب أنوار البدرين وقد يطول هنا ذكرها فراجعها في الكتاب.

4. جرئته العلمية في تبنيه لمجموعة من المسائل والنظريات العلمية التي تخالف المشهور والإجماع : وما ذلك إلاّ دلالة على علو فضله ومكانته العلمية بحيث لا يخاف أن يتجاهر بأراءه ونظرياته وهذا لا يتأتي لكثير من العلماء ولولا ضيق المجال لذكرنا بعض هذه الآراء الفقهية الكثيرة.

ومن الشواهد على ذلك أيضاً تقدير العلماء والفقهاء لمكانته واحترامهم لمقامه ويتجلى ذلك في قصته مع السيد مهدي بحر العلوم :

ذكر العلامة الشيخ باقر آل عصفور :  "أن العلامة الشيخ حسين سافر إلى العتبات المقدسة في العراق لزيارة الأئمة المعصومين وبعد ان انتهى من زيارة سيد الشهداء – عليه السلام – في كربلاء قصد النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي – عليه السلام – وقبل وصوله إلى مدينة النجف أعلن آية الله العظمى سيد الطائفة السيد مهدي بحر العلوم – قدس سره – في النجف تعطيل الدرس الذي كان يلقيه على تلامذته وطلب منهم أن يذهبوا إلى منطقة (خان الربع) بين طريق النجف وكربلاء من أجل استقبال علامة البحرين الشيخ حسين آل عصفور البحراني ولكن العلماء استغربوا من إخبار السيد بحر العلوم بمجيء الشيخ ولم تكن تلك الأيام برقيات ولا بريد والاستغراب الآخر الذي استولى عليهم هو وقوف السيد بكل عظمته على رجليه طيلة الاستقبال الحار الذي أبداه لمكانة العلامة الشيخ حسين آل عصفور في منزله في النجف الأشرف ، حيث كان واقفاً على قدميه يستقبل العلماء الذين يدخلون لزيارة الشيخ حسين ولم يجلس مع كونه طاعناً في السن إلاّ أن الشيخ لما وجد هذا الاحترام البليغ والمكلف وهذا التواضع الرفيع من قبل مرجع الطائفة والذي اشتهر بلقاءاته مع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أخذ يلح  على السيد بتقليل التكليف على نفسه ولكن السيد أجابه هكذا أمرني مولاي أمير المؤمنين – عليه السلام – الذي أخبرني بقدومك وأمرني باستقبالك وهو الذي طلب مني الوقوف على قدمي لاستقبال ضيوفك". (الدرة لأحكام الحره).


جاروديات : كلمة الجمعة