جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 15 / 10 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 16  / 10 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) ( سورة الإسراء ، الآية 36).

يرتكز القرآن الكريم على أهمية ترشيد المستوى الفكري والثقافي في حياة الإنسان المسلم وذلك بتوجيهه إلى الأخذ بأسباب العلم ومن خلال النهي عن اتباع ما ليس له به علم ، فإن نفي الأخذ بالسلب يؤكد ضرورة الأخذ بالإيجاب.

والمنهج الذي يلتزم به المسلمون هو الإعتماد على العلم في جميع المفاهيم العامة والتشريعات العملية والأسس الأخلاقية ، ولا فرق في ذلك بين الأحكام التشريعية التي هي فتوى في التحريم والوجوب وبين المفاهيم الإسلامية الأخرى العقائدية والأخلاقية فهما سواء في مسؤولية انتساب الرأي إلى الله ورسوله وخطورته مالم يرتكز على علم ومعرفة وحجة قوية.

ولعل المسألة لا تقف عند هذا الحد المتصل بالجانب الفكري في العقيدة والأخلاق والتشريع بل نتعداه إلى الواقع الموضوعي في تحديد المواقف تجاه الأشخاص والإتجاهات الفكرية من دون أن يكون هناك سند شرعي أو بينة واضحة كما يحصل في المحاكم أو في ساحات الإتهام عند القاضي – وأمام الخصم – لأن القاعدة الإسلامية تجعل الإحتمال لصالح المتهم لا لصالح المدعي إنطلاقاً من عدم جواز الحكم إلاّ بالبينة الشرعية. ومن لزوم الحمل على الصحة مادام ذلك محتملاً في حقه.

فمن أخلاقيات المسلم أن يجعل العلم رائده في كل شيء وأن يلتزم الدقة في كل أمروه ، فلا الشائعة يمكن أن تكون مقياساً للحكم والقضاء والشهادة والعمل ولا القرائن الظنية ولا الأخبار غير القطعية المشكوك في مصادرها. وبناءً على ذلك يتضح أن العلم واليقين هما أساس المعرفة وأن لا شيء من "الظن والتخمين والشك" يغني عن الحقيقة شيئاً ومن يعتمد على غير العلم فإنه يخالف القانون الإسلامي الصريح. قال الإمام الصادق – عليه السلام – "إن حقيقة الإيمان أن لا يجوز منطقك علمك".

وسائل المعرفة عند الإنسان

(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)

يحدد القرآن وسائل المعرفة عند البشر في هذه الحواس باعتبارها وسائل المعرفة الحسية والعقلية التي تعتبر الحجة على الحقيقة حيث أن الله سيسأل هذه الوسائل الداخلية والخارجية عن طبيعة النتائج التي اختزنها الإنسان في وعيه وستجيب بالحقيقة الموضوعية في حياته وتحدد نوعية المسؤولية التي يواجهها على هذا الأساس ولن يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك لأن الشهادة لا تأتيه من الخارج بل من الداخل الذي يصرخ بالحقيقة من أقرب طريق.

ولعل سائل يسأل لماذا خصت الآية السمع والبصر بالذات من بين كل حواس الإنسان ، والجواب أن معظم المعلومات الحسية للإنسان يكون مصدرها السمع والبصر.

وخلاصة الفكرة أن الإسلام يريد للحياة الفكرية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية أن تتحرك على أساس العلم الذي يستمد وسائله من حركة الحواس والحركة العقلية في مجالات المعرفة.

وينبغي ترشيد المستوى الفكري والثقافي في حياة المسلمين من خلال الأخذ بأسباب العلم والمعرفة لأن اتباع غير العلم هو سمة يختص بها الجهلاء الذين ما إن يستمعوا إلى إشاعة معينة حتى يصدقوا بها ويجعلوا منها قاعدة للحكم على القضايا ومقياساً لآرائهم.

الجهل

ما من أمة تتعرض للإنهيار والسقوط وما من حضارة تبدأ بالإنحلال والذوبان إلا وكان الجهل سبباً أساسياً من أسباب سقوطها وانهيارها.

فالجهل عدو الإنسان وآفة الحياة ومصدر الفساد والإنسان المسلم اليوم يعاني من الجهل ولا يملك حظاً من العلم والمعرفة ويجهل مبادئه ورسالته الإسلامية الكبرى كما يجهل أهدافه ومركزه في الحياة.

والأخطر من ذلك أن يتحرك الجهل تحت غطاء الدين والشريعة ويتستر بالتقوى والعفة لذا يجب الحذر من أولئك الذين يتسترون بالدين من أجل أهدافهم الخطيرة وأغراضهم الدنيئة.

وأكبر مثال على ذلك حركة الخوارج في تاريخ المسلمين الذين تستروا بالدين من أجل تمزيق الصف الإسلامي وتكفير المسلمين. فالتاريخ يحدثنا عن تدين الخوارج "بأن لهم ثفنات كثفنات الإبل من أثر السجود". هذا التدين الذي نتج عن جهل بالإسلام وبمفاهيمه كان أخطر ما واجهه الإمام علي – عليه السلام – في أيام خلافته.

فالتدين الذي يبنى على الجهل هذه هي نتائجه وانعكاساته. واليوم أيضاً في تاريخنا المعاصر نشهد نفس نماذج الخوارج في الأفكار والأفعال.

وقانا الله وإياكم وجميع المسلمين.


جاروديات : كلمة الجمعة