كلمة الجمعة الموافق 24 / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (
سورة المائدة ، الآية 55).
ذكر الفخر الرازي في التفسير الكبير
عن أبي ذر أنه قال : صليت مع رسول الله – صلى الله عليه
وآله – يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يداه إلى
السماء وقال : اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله – صلى الله عليه وآله – فما
أعطاني أحدٌ شيئاً ، وعليٌ – عليه السلام – كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى
وكان فيها خاتماً ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي – صلى الله عليه وآله
– فقال اللهم إن أخي موسى سألك فقال : ربي اشرح لي صدري وأشركه في أمري فأنزلت
قرآناً ناطقاً (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) (سورة القصص ، الآية 35)
فنزلت الآية.
وخلَّد هذه القصة حسان بن ثابت في
شعره حيث قال مخاطباً الإمام علي – عليه السلام - :
|
وأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً
فأنـزل فـيك الله خيـر ولايـة
|
***
***
|
زكاة فدتك النفس يا خير راكع
وبينـها في محكمـات الشرائع
|
ولاية الإمام المعصوم
الولاية للإمام المعصوم امتداد لولاية
الله ورسوله وطاعته ونصرته وحبه وامتداد لما يجب على المسلمين من الطاعة والحب
والنصرة لله تعالى.
ولا تتم الولاية من دون ممارسة
فعليه للحاكمية والسيادة في حياة الناس ، فإن الإسلام شريعة قائدة في حياة الإنسان
ليتولى تنظيم وإدارة المجتمع وتوجيهه اتجاه تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية وغاياتها
ولا يمكن أن يتحقق شيء من ذلك دون وجود ممارسة فعلية للقيادة والحاكمية في المجتمع
الإسلامي. وهذه القيادة والحاكمية هي التي
يسميها القرآن بالإمامة.
وإذا راجعنا القرآن الكريم نجد هذه
الحقيقة واضحة فيما يحكي الله تعالى لنا من تنصيب عباد له ليكونوا أولياء وأئمة
على الناس ، ولا تتم لهم إمامة وولاية على
الناس لولا أن الله تعالى خصهم بذلك وأناط إليهم هذا الأمر
ففي قضية إبراهيم – عليه السلام – يقول : (قَالَ
إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ
عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة ، الآية 124). والإمامة
هنا بمعنى الولاية ، وقد جعل الله إبراهيم إماماً
بعدما كان نبياً. وكذلك في قصة داوود – عليه السلام – (يَا
دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِّ) (سورة ص ، الآية 26). والخلافة
هنا هي الولاية والحاكمية.
إذاً الإمامة والولاية مرحلة من
مراحل الإصطفاء الإلهي والإختيار الرباني في حاكمية السلطة الإلهية في الأرض وليس
للبشر دخل في اختيار الولي والإمام وهذه هي عقيدة الشيعة في الإمامة.
قيمة الولاية في الإسلام
1. الإمام الباقر – عليه السلام - :"بني
الإسلام على خمس : على الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والولاية ، ولم ينادى
بشيء كما نودي بالولاية". (أصول الكافي ، ج2 ، ص
18).
2. وعنه أيضاً قال :"بني
الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والولاية ، قال
زرارة – راوي الحديث - : وأي شيء من ذلك أفضل ، قال الولاية أفضل لأنها مفتاحهن
والوالي هو الدليل عليهن ، ثم قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحة وباب الأشياء ورضى
الرحمن والطاعة لإمام بعد معرفته إن الله عز وجل قال (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)
(سورة النساء ، الآية 80) ، أما لو أن رجلاً نام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله
وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما
كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أصل الإيمان ثم قال (أولئك المحسن منهم
يدخله الله الجنة بفضل رحمته)". (أصول الكافي ، ج2 ، ص
12)
وفي عقيدتنا نحن الشيعة الإمامية
: أن الله الذي خلق النوع الإنساني وأمره بالسير في طريق
الكمال والسعادة وأرسل الأنبياء المعصومين الذين يتلقون الأوامر الإلهية بواسطة
الوحي من أجل إنارة الطريق فلا بد أن يجعل أئمة معصومين لخلافة الأنبياء بعد
رحيلهم من أجل استمرار هذا الطريق وهداية البشرية وإيصال الناس إلى الهدف الإلهي ،
وهذا لا يتم بدون وجود الأئمة وذلك للأسباب التالية :
1. من المتيقن أن عقول
البشرية لا تستطيع تشخيص جميع عوامل وأسباب التقدم والرقي وحدها.
2. ربما يتعرض دين
الأنبياء بعد رحيلهم لأنواع التحريف فلا بد من القيم والحارس من المعصومين
والربانين بما قضوا عليه من تحريف المبطلين والظالين.وهذا
ما ورد عن الإمام الصادق – عليه السلام –"إن
فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينقون عنه تحريف الظالين وانتحال المبطلين وتأويل
الجاهلين".
3. من المتعذر إقامة
الحكومة الإلهية التي توصل الإنسان إلى الغاية التي خلق من أجلها إلا عن طريق
المعصومين لأن الحكومات البشرية ووفقاً لشهادة التاريخ كانت غالباً تسير وفق
المصالح الشخصية والفؤية.
إذاً إن هذه الأصول الثلاثة إنارة
الطريق ، والمحافظة على مواريث الأنبياء وإقامة الحكومة الإلهية العادلة تمثل
الواقع الأساسي لفلسفة وجود الإمام المعصوم.
وفي الخاتمة أقول لأخواني المؤمنين
ولشبابنا الواعي الإنتباه لما يثار هذه الليالي في بعض الفضائيات من مسائل خلافية
بين الشيعة والسنة والتي حاول البعض من أعداء أهل البيت – عليهم السلام – إثارة
الشكوك في عقائدنا الحقة ومحاولة الإستناد لبعض الأحاديث الموضوعة والأكاذيب
المختلفة. وإني أقول : إن عقائدنا ثابتة وواضحة ومحفوظة لا يمكن أن تزيف بهذه
الأساطير والأكاذيب فمهما حاول هؤلاء بكذبهم المفضوح وبغيهم الصريح أن يستروا
الحقيقة أو يحرفوا الحق عن أهله فإنهم لن يستطيعوا.
وهؤلاء للأسف ليست مشكلتهم معنا فقط بل هي مع المسلمين سنة وشيعة فهذا
الفكر امتداد لفكر الخوارج التكفيري الذي كان وباءً على عامة المسلمين ولا زال
أثره إلى يومنا هذا والمسلمون يعانون من انعكاساته الخطيرة وآثاره السيئة.