جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 17 / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 17  / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ( سورة التوبة ، الآية 41).

حينما نسمع كلمة الجهاد يتبادر إلى ذهننا الحرب والقتال في حين أن الجهاد في الإسلام مفهوم يتسع إلى ميادين مختلفة وعديدة يناضل المسلم فيها من أجل تحقيق الكمال الذاتي والسعي إلى تحقيق الأهداف النبيلة والدفاع عن كيان الأمة بالوسائل الممكنة العلمية والفكرية والمالية والدفاعية ، وهنا نستجلي بعض محاور الجهاد وميادينه :

الجهاد مع النفس

وهو أعلى مراتب الجهاد المعبر عنه "بالجهاد الأكبر" وهو حالة من الصراع الداخلي مع النفس حيث يقف الإنسان ضد  رغبات الغرائز النفسية ومتطلباتها الجامحة وذلك برسم ظوابط شرعية تنسجم مع فطرة وتكوين الإنسان من جهة وتحقيق كرامته وإنسانيته من جهة أخرى. فليس كل ما تميل إليه النفس من رغبات يسعى إلى تلبيتها بعيداً عن القيود والظوابط. فإذا ما أطلق الإنسان لنفسه العنان تحول صاحبها إلى ذئب مفترس لا يحمل هماً سوى إشباع شهواته الجامحة حتى لو كان على حساب كرامته وإنسانيته.

وجهاد النفس ليس بالأمر اليسير إذ يتطلب من المؤمن الإرادة والعزيمة والتقوى والصبر على الأهواء والشهوات فيتماسك ويثبت ويوازن بين ما تطلبه غرائزه وميوله وبين ما يريده الله تعالى.

ويعتبر الإمام علي – عليه السلام – أن سر نجاح المؤمن في مهماته يكمن بانتصاره على أهوائه "ميدانكم الأول أنفسكم فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر وإن عجزتم عنها كنتم على غيرها أعجز فجربوا معها الكفاح".

وجاء في الأثر أن النبي – صلى الله عليه وآله – بعث بسرية إلى القتال فلما أقبلوا قال : "مرحباً بقومٍ قضوا ما عليهم من الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. فقيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر فقال : جهاد النفس ، إنما المجاهد من جاهد نفسه".

وجهاد النفس عملية مستمرة من المراقبة وينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه أمام كل ذنب أو خطيئة فيستغفر الله ويتوب ويعاهد الله على أن لا يعود لمثلها أبداً. قال رسول الله :"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا".

 الجهاد في الحياة

يتحمل الإنسان المسلم قدراً كبيراً من المسؤولية اتجاه أمته ومجتمعه وأسرته لأنه جزء منها يساهم في بنائها ويتحمل نتائج الأوضاع السائدة فيها خيراً كانت أو شراً. هذه المسؤولية تجعله ينطلق للعمل في سبيل الله مستخدماً كل الوسائل والأساليب التي تؤكد الحياة الحرة الكريمة للفرد والمجتمع.

فالخطيب الذي يمتلك لساناً مفوهاً وثقافة عالية وأسلوباً مرناً يستطيع أن يجاهد بالكلمة الواعية والفكرة الهادفة في الدعوة إلى الله وإصلاح الواقع الفاسد وشد الناس نحو دينهم وقيمهم الأصيلة.

والكاتب الذي يملك طاقة فكرية وثقافية واسعة وأسلوباً أدبياً يستطيع أن يجاهد بمقالات ومحاضرات ومؤلفات تعرض الفكر الديني الأصيل وتتصدى لكل محاولات التشويه والتزوير والتحريف.

والعلماء يستطيعون أن يقوموا بدور بارز في حماية العقيدة والقوانين الإسلامية من التحريف والعبث كما يقومون بالدفاع عن الفكر الإسلامي وإبطال النظريات والعقائد غير الإسلامية التي تحاول أن تغزوا عقول المسلمين أو تحاول التأثير عليهم.

والتاجر يستطيع ان يتحرك إيجابياً عن طريق المال في حل مشاكل الفقر وتعميق روح الأخوة ودعم المؤسسات الإجتماعية وذلك من الجهاد الذي حث عليه الإسلام وجعل البادلين والمنفقين أموالهم في مصاف الشهداء والصالحين ، قال تعالى :(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (سورة البقرة ، الآية 261).

الجهاد بالقتال

وهو من الواجبات الضرورية المفروضة على عامة المسلمين والأداة المهمة الأخرى من أدوات حماية المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي وأوطان المسلمين ومصالحهم عندما يكون هناك خطر يهدد العقيدة أو الأوطان أو الأمة الإسلامية أو مصالح المسلمين من قبل أعدائهم الطامعين ببلادهم وخيراتهم والساعين للقضاء على قوتهم ومجتمعهم ونظامهم الإسلامي. وهذا النوع من الجهاد هو الذي وصفه أمير المؤمنين بقوله :"الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء ودُيِّث بالصّغار والقماءة وضرب قلبه بالأسداد وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف".

هذه هي الميادين المهمة التي ينطلق منها المسلم في جهاده وحركته من أجل تحصين مجتمعه وأمته بكل الوسائل الممكنة والمتاحة. فكما عرفنا لا ينحصر الجهاد في جانب دون الآخر فقد يكون بالمال أو بالنفس أو بالفكر. ولا يهمنا ما نسمعه اليوم من محاولات لتشويه حقيقة الجهاد بسبب تصرفات بعض المحسوبين على الأمة الذين أساؤوا إلى حقيقة الجهاد ولم يحسنوا استخدامه ، بل أنهم ذبحوا الإسلام بأفعالهم وجرائمهم المنافية لكل الأعراف والقيم الإنسانية ، فما يحدث في بعض الأماكن باسم الجهاد بعيدٌ كل البعد عن حقيقة الجهاد وأخلاق المجاهدين.

والسابع عشر من شهر رمضان يحمل لنا في ذاكرته عزوة بدر الكبرى التي سجل فيها المسلمون أروع الإنتصارات وألحقوا الهزيمة والعار بالمشركين الذين صعقوا من هول الصدمة وفداحة المعركة.

فقد التف المسلمون حول النبي – صلى الله عليه وآله – وهم يظهرون أروع صور الإستعداد للتضحية من أجل العقيدة والكيان الإسلامي. وتضمنت آيات القرآن الكريم في سورة الأنفال الآيات من 8 إلى 12 والآيات من 42 إلى 44 نصوصاً صريحة عن هذه المعركة المصيرية وهي تذكر تفاصيل الأحداث وتظهر الإمداد الإلهي للأمة المسلمة المخلصة لربها في سبيل نشر رسالته.

وقد استبسل الإمام علي – عليه السلام – في الدفاع عن الإسلام في هذه المعركة الكبرى حين قتل الوليد بن عتبة وأعان عمه حمزة وعبيد بن الحارث على قتل شيبة وعتبة منازلاً لهما وقد عد الشيخ المفيد ستة وثلاثين نفراً ممن قتلهم الإمام عليه – عليه السلام – يوم بدر سوى من أشترك في قتله.

لقد شكل المسلمون بانتصارهم قوة كبيرة لا يستهان بها فكان ذلك نقطة التحول في مسيرة الإسلام حيث بدت تظهر بالتدريج وبدأت قريش تفقد هيبتها بين القبائل في الوقت الذي أخذت تشتد أواصر المسلمين فيما بينهم وبين القائد العظيم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة