جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 10 / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 10  / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر: من الآية7).

القاعدة التي يلتزم بها المسلمون هي أن الرسول صلى الله عليه وآله مصدر التشريع فيما يبلغه من أحكام إلهية من عند الله وفيما يقضي بين المسلمين في حل خصوماتهم وفصل منازعاتهم.

من هذه القاعدة وهذا الخط الإسلامي المستقيم نستنتج النقاط التالية :

1-  أن الإسلام والمسلمين يختلفون عن التيارات الفكرية والتشريعية المنحرفة عن فكر الإسلام وشريعته :

إن هذه التيارات لا تستقي مفاهيمها من (قاعدة ثابتة) وإن التقت في بعض الأحيان مع المفاهيم الإسلامية في بعض عناوينها ، لأن القاعدة التي تحكم الإسلام تختلف عن القاعدة التي تحكمها حيث أن الإسلام يؤدي إلى الله لأنه مصدر التشريع الأول فيما تؤدي هي إلى الاجتهادات الخاطئة.

2-  إن هذه القاعدة التشريعية تؤكد على أصالة الموقف الإسلامي في شخصية المسلم والفارق بينه وبين الفكر الآخر :

وذلك من خلال الإلتزام بهذه القاعدة الإسلامية فلا يضيع في متاهات الأطروحات والاتجاهات الاجتهادية.

ولعل المراد من (التقوى) في الآية (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أنها تعمق الشعور بالمسؤولية في نفس الإنسان المسلم من خلال تصور العقوبة الإلهية الشديدة التي تنتظره إذا انحرف عن موقع الطاعة الذي حصرته الآية (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).

3-  أنه لا بد من التمييز بين المنهج الإسلامي في نقائه وصفائه وبين الواقع الفكري والسلوكي في حياة المسلمين :

وذلك من أجل تجنيب الإسلام تبعات سوء تصرفات بعض أتباعه المنحرفين الذين لم يلتزموا بهذا المنهج الفد الفريد.

4-  أن هناك بعض المسلمين المنحرفين الذين أخذوا أنفسهم بما لم ينزل الله به سلطاناً :

فقد خرجوا عن القاعدة التشريعية التي حصرت مصدر التشريع بالرسول – صلى الله عليه وآله – فتاهت بهم السبل.

5-  ومما يجدر الإشارة إليه أن هناك من بين المسلمين قطاعاً واسعاً ممن هم في واقع إيمانهم وسلوكهم لا يمثلون الإسلام :

إلاّ (إنتمائهم الوراثي) بمعنى آخر أنهم ينظرون إلى الإسلام أنه (إرث وتقليد) لا يعرفون عن الإسلام شيئاً ولم يقرأوا الإسلام قراءة واعية. هؤلاء عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم.

وهناك فئة أيضاً تحكمهم العاطفة والتقديس المفرط فهم يفهمون الدين من خلال الأشخاص وكأن هؤلاء الأشخاص لهم الوصاية على تعاليمه وأحكامه.

وهذا هو التقديس الأعمى الذي حاربه الإسلام فذهب بعضهم إلى القول بعدالة الصحابة والآخر باجتهاداتهم الخاطئة ومحاولة الدفاع عنهم متناسين أن المعيار الصحيح هو أن لا يتعارض مع القرآن والنصوص الإسلامية الصحيحة وأنه لا اجتهاد مقابل النص.

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد

العاشر من شهر رمضان يخلد لنا التاريخ في ذاكرته وفاة السيدة الجليلة أم المؤمنين خديجة – عليها السلام – تلك المرأة التي شاركت النبي – صلى الله عليه وآله – رحلة الجهاد والعمل المضنية وقاست في سبيل ذلك جميع المحن والمتاعب ولم يكن يوم ذاك أمرأة تصلح لنبي ولهذه المهمة سوى خديجة.

كانت خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً وأكثرهن مالاً وأحسنهن جمالاً ، وكانت تدعى بالطاهرة وسيدة قريش.

ولدت خديجة وسط أسرة عظيمة وعريقة النسب عرفت بالذكر الطيب والخلق الكريم تدين بالحنفية دين إبراهيم الخليل – عليه السلام -.

شاركت النبي – صلى الله عليه وآله – في أحرج اللحظات وفي أنواع الأزمات فنصرت الإسلام بجهودها وجهادها وتجلى ذلك في بذل أموالها وممتلكاتها في سبيل الدفاع عن بيضة الإسلام ونصرة المؤمنين فلم تبخل بشيء كانت تستطيع أن تقدمه في سبيل ذلك الهدف النبيل.

لقد كانت النموذج الرائع للزوجة الصالحة التي لسلوكها الفذ مثلاً رائعاً وحقيقياً يجسد مفاهيم الرسالة وقيمها تجسيداً واقعياً.

خرج المسلمون في السنة العاشرة من البعثة من الحصار الذي فرض عليهم من قبل قريش في شعب أبي طالب الذي استمر أكثر من ثلاث سنوات قاسى خلالها المسلمون والنبي الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – آلاماً قاسية من الجوع والعزلة والحرب النفسية حيث أرسل الله دودة الأرضة على صحيفتهم المعلقة في جوف الكعبة فأكلتها جميعاً غير كلمة (باسمك اللهم). وبذلت خديجة جميع أموالها من أجل رفع المعاناة عن المسلمين.

ولكن الرسالة الإسلامية تعرضت لأخطر محنة في سيرتها في مكة عندما توفي أبو طالب سندها الإجتماعي الأول والمدافع القوي عن الرسول والرسالة وبعده بأيام توفيت خديجة أم المؤمنين. ولشدة تأثير الحادثين في مسيرة الرسالة الإسلامية سمى رسول الله – صلى الله عليه وآله – ذلك العام بعام الحزن.

وبوفاة السيدة خديجة انطفأت صفحة من صفحات الإسلام المشرقة كانت تمثل أهم المراحل في حياة النبي والدعوة الإسلامية حيث انطلق الإسلام منها إلى أوسع الآفاق وأكبر الميادين ، فسلام الله عليها يوم ولدت ويوم توفت ويوم تبعث حية.


جاروديات : كلمة الجمعة