جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 03 / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 03  / 09 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

نبارك لكم حلول شهر رمضان المعظم الذي نستقبله وإياكم في هذه الأيام لنتزود من نفحاته المباركة ونسماته الطاهرة ونقف وإياكم عند شذرات مباركة من خطبة النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – في استقبال شهر رمضان والتي يضع فيها برنامجاً متكاملاً للمسلمين كي يستفيدوا من أوقاته الثمينة بالعبادة والمناجات والأعمال الفاضلة التي تقربهم إلى الله تعالى :

"يا أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة ، شهرٌ هو عند الله من أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام وليالية أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات ، هو شهرٌ دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله ، أنفساكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب".

بهذه الكلمات النيرة إبتدأ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – خطبته الشريفة معرفاً للمسلمين منزلة شهر رمضان من حيث مكانته ومنزلته من بين سائر الشهور وهو الشهر الذي سجل فيه المسلمون أورع الأحداث والوقائع في تركيز الدين الحنيف. وهو الشهر الذي يخضع فيه المسلمون لأروع نظام تربوي عرفته البشرية ينمي العقل ويحرك العاطفة ويجسد الإرادة. إنه شهر الصيام والعبادة والدعاء والمغفرة والتسامح.

1-  تلاوة القرآن الكريم :

"من تلا فيه آية من القرآن كان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور".

يشدد الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – على تلاوة القرآن في هذا الشهر المفعم بالنسمات الإيمانية والروحانية لما للقراءة الواعية والتدبر العميق للآيات المشتملة على المفاهيم والأحكام الأثر البالغ على ثقافة الإنسان وآفاق تفكيره حتى يتحول القرآن إلى سلوك عملي ينير له دربه وطريقه بالهدى والرحمة "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".

2-  الدعاء :

"وارفعوا أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم ، فإنها أفضل الساعات ، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده ، يجيبهم إذا ناجوه ويلبيهم إذا نادوه ، ويعطيهم إذا سألوه ، ويستجيب لهم إذا دعوه ...".

الدعاء يمثل الإنفتاح الإنساني على الله حيث يفتح الصائم قلبه وضميره بكل ما فيه من هموم والآم ويناجي ربه بكل محبة وخشوع واطمئنان ، معترفاً بذنوبه وأخطائه ، طالباً الصفح والعفو من الله معاهداً الله على العودة إلى رحابه والإلتزام بتعاليمه وإرشاداته.

والمتصفح لأدعية أهل البيت – عليهم السلام – في هذا الشهر المبارك والتي تعتبر مدرسة متكاملة في أدب المناجاة والسلوك يجدها مفعمة بالقيم والأفكار والآفاق الروحية التي يراد من كل إنسان أن يعيشها ويعاينها ويعمقها في نفسه في مثل هذا الشهر الكريم.

3-  صلة الرحم :

"من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه ، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه".

رحم الإنسان هم الأقرباء من جهة النسب كالأجداد والجدات والأعمام والأخوال والعمات والخالات وأبنائهم. وتتحقق هذه الصلة بزيارتهم وعيادتهم وخدمتهم وإعانتهم وحل مشاكلهم. فينبغي على الإنسان المؤمن أن يراعي هذا الجانب الإجتماعي المهم في تقوية أواصر القربة بينه وبين أرحامه.

4-  إكرام اليتامى والإنفاق في سبيل الله :

"وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم" ، "ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه".

لعل من أهم الأهداف في تشريع الصيام الإحساس باآلام البائسين وجوع المحتاجين وذلك بمساعدتهم والإنفاق عليهم وزيارتهم ومحاولة التخفيف عنهم.

إننا مدعوون في هذا الشهر الكريم إلى تعميق الجانب التكاملي بين أبناء المجتمع بمثل هذه الأعمال الخيرية التي دعى إليها ديننا الحنيف ليشعر الفقير بمساواته بالغني في هذا الشهر فكلاهما في الجوع والعطش سواء وكذلك ليشعر الغني أن هناك بطوناً خاوية فتدخل الرحمة إلى قلبه ومن شأن ذلك إزالة الفوارق والحسبيات.

5-  حسن الأخلاق :

"من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام ... ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه".

يؤكد النبي – صلى الله عليه وآله – على أخلاقيات الصائم وذلك أن الإنسان الصائم يعتريه الضعف والخمول مما يؤدي إلى سرعة الغضب والإنفعال مع الآخرين ومن أجل هذا أجزل الله الأجر والثواب لمن يقاوم انفعالاته ويذكر أنه صائم وأنه في طاعة الله وفي ذلك تهذيب للنفس البشرية وترويضها وتقوية إرادة الإنسان بالملكات الإيمانية والتقوائية.

والتحلي بالأخلاق الفاضلة مطلوب في هذا الشهر وفي غيره لأنها كمال الإيمان ومن مظاهر الإلتزام والتقوى ومدخل لمحبة الناس واحترامهم.

6-  الورع عن محارم الله :

سأل الإمام علي – عليه السلام – النبي – صلى الله عليه وآله – ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ، فأجابه : "الورع عن محارم الله".

والورع هو الابتعاد عن كل ما نهى عنه الله تعالى ، وترك المحرمات واجب على كل إنسان في كل زمان ومكان ولكن يتضاعف العقاب في شهر رمضان ، فمجرد الإمساك عن الأكل والشرب لا يتحقق الصيام إذا لم يكن هناك امتثال لأوامر الله ونواهيه وقد عبر الإمام الصادق – عليه السلام – عن ذلك بقوله"ليس الصيام من الطعام والشراب أن لا يأكل الإنسان ولا يشرب فقط ولكن إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك وبطنك وأكثر السكوت إلاّ من خير وارفق بخادمك".

7-  معرفة الإمام علي – عليه السلام - :

"إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك واصطفاني وإياك واختارني للنبوة واختارك للإمامة ومن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي".

لقد خص النبي – صلى الله عليه وآله – جانباً من خطبته الشريفة للتعريف بمقام أمير المؤمنين علي – عليه السلام – وفي ذلك إشارة واضحة على البعد الولائي والمعرفي لأهل البيت – عليهم السلام -. وإن مما ينبغي للمسلمين أن يعمقوا معرفتهم بهم لأنهم المحجة البيضاء التي نأخذ منها معارفنا وثقافتنا وديننا والمنهجية المثلى لسيرة الإسلام ومعالمه.

وعندما يتحدث الرسول – صلى الله عليه وآله – عن علي بهذه الكلمات لأنه البديل الذي أعده إعداداً رسالياً خاصاًَ ليحمله المرجعية الفكرية والسياسية من بعده كي يواصل عملية التغيير الطويلة الرائدة ولكن سرعان ما انقلبت الآية ونكثت طائفة وقسطت أخرى ومرقت ثالثة وإذا بالإمام بعد كفاح مرير يقع شهيداً مخضباً بدمائه الطاهرة في محراب عبادته ليلة القدر من عام 40 من الهجرة على يد الخارجي عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله.

وإذا مضى علي فقد بقي نهجه طرياً واضحاً ومعلماً للسالكين ومناراً للسائرين.

قال السيد مصطفى جمال الدين رحمه الله :

 

نحن نهواك لا لشيء iiسوا
ومفاتيح من علوم iiحباها
ضرب الله بين وهجيكما iiحداً
وإذا الشمس آذنت iiبمغيبٍ
قد ملئت السماء علماً وإشعاعاً
وستبقى إمام كل iiشريد
وستبني لك الضمائر iiعشاً
***
***
***
***
***
***
***
أنك من أحمد أخ iiووزير
لك إذ أنت كنزها iiالمدخور
فأنت المنار وهو iiالمنير
غطت الكون من سماها iiالبدور
وإن ظُن أنك iiالمعقور
لزه الظلم واكتواه iiالغرور
ولدنيا سواك تبنى iiالقصور

جاروديات : كلمة الجمعة