جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 04 / 08 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 04  / 08 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

نرفع أسمى آيات التبريكات وأجمل التهاني للأمة الإسلامية بمناسبة ميلاد الحجج الإلهية والأنوار القدسية للإمام الحسين سيد شباب أهل الجنةوالإمام علي بن الحسين زين العابدينوالبطل الهاشمي أبي الفضل العباس – عليهم أفضل الصلاة وأجل التسليم -.

وفي رحاب هذه المناسبات نعيش وإياكم لحظات في أجواء هذه المناسبات العظيمة مع سيد شباب أهل الجنة لنستوحي من ميلاده الميمون معالم النبوة ونهج الرسالة التي جسدها في حياته المباركة.

في رحاب النبي – صلى الله عليه وآله -  :

لقد كان لبيت فاطمة الزهراء – عليها السلام – عناية خاصة في قلب رسول الله – صلى الله عليه وآله – حيث كان يوليه بالنصيب الكبير دون سائر البيوت إن لم نقل أن كل بركات النبي – صلى الله عليه وآله – قد حلت فيه وأصابته وذلك لأن فيه أحب الناس إلى رسول الله وأعزهم لديه حيث حوى بضعته الطاهرة ووصيه الأمين وأسباطه العظام.

في هذا البيت العظيم ولد الحسين بن علي – عليه السلام – في الثالث من شعبان سنة أربع من الهجرة وكانت ولادته لها الأثر العميق في قلب النبي – صلى الله عليه وآله – حيث اختار له الأسم بعد أن قام بمراسيم الولادة المباركة وألقمه إبهامه فتغذى منها لفترة من الزمن واعتنى به وبأخيه عناية كبيرة أشد من عناية الآباء بالأبناء وقد أثنى عليهما وبين للأمة فضلهما ومنزلتهما فقال :

1.  قال رسول الله – صلى الله عليه وآله - :"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".

2. قال رسول الله – صلى الله عليه وآله - :"من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني".

3. قال رسول الله – صلى الله عليه وآله - :"حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط".

4.  وقال لفاطمة – عليها السلام – عندما سمع الحسين يبكي :"ألم تعلمي أن بكاه يؤذيني".

ويكفي أن القرآن الكريم أكد على هذا الإرتباط الوثيق في قوله تعالى (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (سورة آل عمران ، الآية 61).

عاش الإمام الحسين – عليه السلام – مع جده أجمل أيامه وأحسنها ودرج في مرافي الكمال من ذلك الحجر الطاهر الذي أفاض عليه حناناً وعطفاً على مدى ثمان سنوات عاشها في رحابه العظيم ، فجاء محمدي الخصال والفعال والحركات والسكنات حتى عد الصورة المثالية التي مثلت النبي – صلى الله عليه وآله – في خصاله وشمائله والسيرة الواقعية لشخصية بني الإسلام التي رسمها النبي – صلى الله عليه وآله – للأمة في قوله "حسين مني وأنا من حسين".

وارث الأنبياء :

يمثل الإمام الحسين – عليه السلام – منهجية الأنبياء والمرسلين في دعواتهم إلى الله ومحاربتهم الطاغوت وهي تركة ثقيلة وشاقة تحتاج إلى من يقدر على حملها وتبليغها. هذا الميراث جسده الحسين عندما عايش محن الإسلام ومصائبه التي ابتدأت بموت جده حيث رأى الخلافة ينحرف بها قوم من الناس عن صاحبها المنصوص عليه لتأخذ في نهاية المطاف شكلاً من الملك العضوض الذي لا يرحم الإسلام ولا يعطف على المسلمين بل يطرد الدين والعقيدة من نفوس الناس بقوة السلاح والحديد ، فطمست معالم الرسالة بشكل مرعب ومخيف ولم يبقى لدين الله حرمة ولا لعباد الله مأمن ، فكان الحسين هو الرائد والهادي والبطل الذي على يديه تنجلي الظلمات وتموت الإنحرافات ويحيى الحق والدين.

لقد ارتسمت أمام الحسين – عليه السلام – كل معالم الإسلام وتراءت أمامه كل حركات الحق التي ترجمها أمير المؤمنين عليٌ – عليه السلام – في أقواله وأفعاله وتصرفاته ، وعاش الصراع المرير بين الحق والباطل بين الإسلام والجاهلية ، إسلام عليٍ وجاهلية معاوية وكيف كانت عاقبة الحق صريعاً في سبيل الله على يد طاغوت من طواغيت الأرض.

واستمر يرقب الأحداث وما تحمله من مآسي وآلام ودموع ودماء حتى نُحي الحسن – عليه السلام – عن الخلافة وتربع على كرسيها معاوية عدو الإسلام والمسلمين فصور ذلك الواقع المرير بقوله :

"إن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبقى منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما".

العباس – عليه السلام - :

وتتجلى لنا في هذه الذكرى شخصية البطل الهاشمي الذي تربى في مدرسة علي – عليه السلام – وقد سقاه البطولة جرعةً جرعةً والإسلام حكماً حكماً فجاء كما أراد الله وكما أحب والده مسلماً نافذ البصيرة صلب الإيمان فارساً شجاعاً ادخره عليٌ – عليه السلام – ليوم كربلاء لنصرة الحق في معركته مع الباطل.

لم يكن العباس العباس بن علي – عليهما السلام – يتعصب لأخيه بما أنه قريبه النسبي عندما وقف يوم عاشورا محامياً عن الإمام الحسين – عليه السلام – وأهل بيته ، بل كان من أجل حسين العقيدة والمبدأ والدين ، كان من أجل الأهداف والغايات التي ثار في سبيلها الحسين – عليه السلام – ضحى من أجلها.

نستلهم من ذكرى ولادة العباس مدرسة الوفاء والصدق والمواساة التي قدمها كنموذج بارز في معركة الحق مع الباطل فكان كما شهد له المعصوم في زيارته "وأشهد الله أنك مضيت على ما مضى عليه البدريون والمجاهدون في سبيل الله المناصحون في جهاد أعدائه المبالغون في نصرة أوليائه الذابون عن أحبائه".

زين العابدين – عليه السلام - :

وتتجلى لنا في هذه الذكرى أيضاً مدرسة العبادة والمناجاة عندما نستذكر شخصية الإمام علي بين الحسين زين العابدين – عليه السلام – الذي أثار في أدعيته المباركة كل القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع إذ علَّم المسلمين كيف يمجدون الله ويحمدونه وكيف يتطهرون بالتوبة من ذنوبهم وكيف يتعاملون مع الآخرين. إنها مدرسة السير والسلوك إلى الله التي غرس جدورها زين العابدين – عليه السلام – في قلوب العارفين الموحدين فكان بذلك النموذج البارز في تعميق الفكر الإسلامي الأصيل بقلوب الواعين من خلال ما سطره في الصحيفة السجادية والتي عالج فيها جوانب كثيرة من شؤون الحياة.

لقد استخدم الدعاء كوسيلة تربوية وإصلاحية لتطهير الذات من الداخل لتتطور إلى نمط سلوكي يجعل من الإنسان إنساناً آخراً يعيش مع  الله في جميع أموره ومنطلق وجوده في حياته ومراحل مسيرته الدنيوية.

كم نحن بحاجة ماسة إلى دراسة تاريخ أئمة أهل البيت – عليهم السلام – والذي يمثل رافداً من روافد الكمال والمعرفة ورصيداً ضخماً تستوحي منه الأمة العقيدة الحقة والمعالم الواضحة لسيرة الإسلام ورجالاته الأفداد ، فهم المدرسة الكبرى للإنسانية والثقل الذي تركه الرسول الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – بين ظهراني الأمة ، والحجة البيضاء للمسلمين بشتى مذاهبهم وجميع فرقهم فالتاريخ يشهد أنهم لم يفرقوا بين الناس مهما كانت اتجاهاتهم فالجميع نهل من معارفهم وعلومهم فكانوا بذلك الأسوة الصالحة لجميع المسلمين والمنهجية الكاملة في المعارف والعلوم.


جاروديات : كلمة الجمعة