كلمة الجمعة الموافق 20 / 07 / 1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله العظيم في كتابه الحكيم : (إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ
خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)
(البقرة:158)
من الشعائر العظيمة -
التي حث الإسلام على المواظبة عليها والإلتزام بها -
شعيرة العمرة والتي لا تقل أهمية عن الحج من النواحي التربوية والروحية في جميع
طقوسها وأفعالها على شخصية الإنسان المسلم في توثيق علاقته مع الخالق العظيم عندما
تتجلى له حقيقة وأسرار وفلسفة المشاعر المقدسة.
لقد اعتبرت الأحاديث الإسلامية الحج
والعمرة جهاد الضعفاء
حيث يمكن للشيوخ والنساء الضعيفات المشاركة في الحج والعمرة ليظهروا عظمة الأمة الإسلامية
وليدخلوا الرعب في قلوب أعداء الإسلام بمشاركتهم في صفوف المصلين المتراصة في
دوائر تحيط بيت الله الحرام وهي توحد الله وتكبره.
ويأتي تشريع العمرة المفردة في
صدارة العبادات الإسلامية التي يوليها الإسلام عناية خاصة لما لها من الآثار
الإيجابية على سلوكيات الإنسان المسلم وتنشيط قواه على عبادة الله وتحمل المشقة
لتأدية مجموعة من المناسك في تلك الرحاب الطاهرة.
ولعل فلسفة العمرة المفردة في وجوبها
أو استحبابها لئلا ينقطع الناس عن البيت الحرام
لما في ذلك من الآثار الوخيمة على حياة المسلمين في تعطيلهم الإتيان إلى المشاعر
المقدسة التي يجب أن لا تخلوا من الناسكين المتعبدين الطائفين حول البيت الحرام
كما أشار أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب – عليه السلام – لذلك في قوله "الله
الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا"
أي لا يمهلكم الله إن تركتم بيت ربكم خالياً.
وفي هذا الشهر المبارك يتأكد
استحباب العمرة المفردة ويستعد الكثيرون للذهاب إلى مكة المشرفة والمدينة المنورة
لتأدية العمرة المفردة وزيارة قبر رسول الله والأئمة الأطهار ، وهنا
نورد مجموعة من التوصيات والتوجيهات المهمة :
الوعي :
فلابد على الإنسان المعتمر أن يعي
حقيقة هذه العبادة المهمة التي قطع من أجلها الأميال وآلاف الكيلومترات للوصول إلى
تلك الرحاب الطاهرة فيعرف من يقصد ولمن يحرم ولمن يطوف ويسعى ويقصر وفي أي مكان
يتواجد وكيف يناجي ربه ويحاسب نفسه وكيف ينقطع عن ماضيه الأسود المملؤ آثاماً
وذنوباً ويتصل بمستقبل واضح كله نور وضياء. ويتذوق هناك المتعبد حلاوة العبادة
ولذة الطاعة وصفاء الإقبال على الله والإنابة إليه والتوبة من كل ذنب اقترفه في حق
نفسه أو في حق الآخرين.
وحري بالله أن يقبل توبته ويغفر
ذنبه كما جاء في الرواية : "يخرج من ذنوبه كيوم
ولدته أمه" وقال الإمام الصادق – عليه السلام –
"الحج والعمرة سوقان من أسواق الآخرة ، العامل بهما
في جوار الله إن أدرك ما أمل غفر الله له وإن قصر به أجله وقع أجره على الله عز
وجل" وقال أيضاً "الحاج
والمعتمر وفد الله وحقٌ على الله تعالى أن يُكرم وفده ويحبوه بالمغفرة".
الشعور بحقيقة المكان
حيث
يتجلى للمعتمر آثار الأنبياء وعظمة المسجد الحرام والكعبة المشرفة ومحل الطواف
ويستذكر هناك قائد البرية الرسول الأكرم وقادة الإسلام العظام وجهاد المسلمين في
صدر الإسلام ليعمق حاضره بذلك الماضي العظيم في كل زاوية من زوايا المسجد الحرام
وأرض مكة المقدسة. فعن الإمام الصاقد قال "ولتعرف
آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى"
وقال الصادق أيضاً "مكة حرم الله وحرم رسوله –
صلى الله عليه وآله – وحرم علي – عليه السلام – الصلاة فيها بمائة ألف صلاة
والدرهم فيها بمائة ألف درهم" وقال أيضاً "صلى
بمكة تسعمائة نبي" وقال "أحب
الأرض إلى الله تعالى مكة وما من تربة أحب إلى الله عز وجل من تربتها ولا حجر أحب
إلى الله من حجرها ولا شجر أحب إلى الله عز وجل من شجرها ولا جبال أحب إلى الله عز
وجل من جبالها ولا ماء أحب إلى الله عز وجل من مائها".
الوقت
من
الجدير بالإنسان المعتمر عدم تضييع أوقاته الثمينة في تلك الرحاب المقدسة وخصوصاً
أولئك الذين تكون فترة تواجدهم هناك يوم أو يومان بالأشياء الجانبية حيث
أن البعض للأسف يتواجد في الأسواق والمعارض أكثر من تواجده في المسجد الحرام أو
المسجد النبوي (مما يجعل قصده في غير ما نوى به).
قال أمير المؤمنين لابنه محمد بن الحنفية يوجهه "وانظر
أين أنت فإنما أنت في حرم الله وساحة بلاد الله وهي دار العبادة ، فوطن نفسك على
العبادة فإن الصلاة والصيام والصدقة وأفعال البر مضافعة والأثم والمعصية أشد عذاباً مضاعفة في غيرها"
إلى أن قال "فإن قدرت أن لا تخرج من مكة
حتى تختم القرآن فافعل".
تفقه المعتمر :
من
الأمور الهامة للمعتمر أن يكون مُلماً بالمسائل الشرعية الضرورية التي تكون محل
ابتلاء فقبل ذهابه إلى العمرة عليه أن يتعلم بعض أحكام الإحرام والطواف والسعي
والتقصير بشكل يستطيع أن يتصرف فيما لو فقد من يرشده.
وللأسف
فإن الكثير من المعتمرين يأتي وقد ارتكب بعض محرمات الإحرام أو فقد بعض الموازين
الشرعية في صحة عمرته.
وهنا
أؤكد على الحاج أن يختار الحملة (في الحج
والعمرة) التي فيها المرشد الديني المُلم بالمسائل والأحكام الشرعية
وخصوصاً رجال الدين المعروفين الذين لهم السبق في هذا الميدان ، إلا
أن البعض يختار الحملة الأكثر أكلاً ومشرباً و .... إلخ.
زيارة قبر الرسول وأهل بيته الطاهرين
تأتي
زيارة النبي – صلى الله عليه وآله – وأهل بيته – عليهم السلام – في صدارة المشاعر
المقدسة بل من الحقوق والواجبات التي فرضها المولى على الناس لرسول الله وأهل بيته
فيبقى للمعتمر أن ينعطف بعد قضاء عمرته نحو المدينة المنورة للتشرف بزيارته – صلى
الله عليه وآله – وأئمة البقيع لتعميق الولاء وتوثيقه عرفاً للجميل الذي لهم علينا
حيث أخرجونا من الظلمات إلى النور وجاهدوا فينا لإعلاء كلمة الحق وترسيخ مبادئ
الإسلام العظيم
1. قال رسول الله – صلى الله عليه وآله - :"من
أتى مكة حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة ومن أتاني زائراً وجبت له
شفاعتي ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة".
2. قال الحسين – عليه السلام – لرسول الله – صلى ا لله عليه
وآله - : "يا أبتاه ما لمن زارك ، فقال
رسول الله : يا بني من زارني حياً أو ميتاً أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك حقاً علي أن أزوره يوم
القيامة وأخلصه من ذنوبه".
3. وقال الرضا – عليه السلام – :"إن لكل إماماً
عهداً في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأدب زيارة قبورهم ،
فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعائهم يوم
القيامة".
هذا والحمد لله رب العالمين وصلى الله
على محمد وآله الطيبين الطاهرين.