كلمة
الجمعة الموافق 28 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي
المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
يطل
علينا شهر الرحمة والبركة (رجب المرجب)
بنسماته الإيمانية ونفحاته القدسية ونسأل المولى سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من نعيم
فضله وجزيل ثوابه إن المتفضل المنان.
ويجدر
الحديث بنا في هذا المقام حول (العبادة ومنهجها في
الإسلام) :
العبادة
هي طريق الوصول إلى الله سبحانه والسبب في الحصول على ثوابه ونيل جزائه ، والعبادة
في الإسلام منهج متكامل وطريق واضح المعالم والسير وغرضه تحقيق
الكمال البشري وتنقية النفس البشرية من الشوائب والإنحراف
للفوز بقرب الله ورضوانه.
لقد
رسم الإسلام منهجاً تعبدياً كاملاً –
للعقل والنفس والبدن والمال – وجعل لكل جانب من هذه
الجوانب الإنسانية معراجه التعبدي وطريقه التكاملي الذي يصله صلة دائمة بالله
تعالى. إن منهج الإسلام منهج تعبدي كامل تشترك فيه كافة قوى الإنسان وعناصر وجوده
وجوارحه لئلا ينفصل عن مصدر وجوده وجهة سيره في الحياة. ولذا
كانت العبادة تنقسم إلى الجوانب التالية :
التعبد العقلي :
وهو
أرقى الممارسات العبادية في الإسلام وأكثرها قدرة على ربط الإنسان بخالقه وشده
إليه. والإنسان يمارس هذه العبادة عن طريق التفكير والمعرفة. وقد اعتبر الإسلام
التفكير في خلق الله والتدبر في عظمته من أفضل طرق العبادة وأرقى وسائل التكامل
الإنساني حيث أن التفكير العلمي الرصين هو
الطريق المؤدي إلى معرفة الله ، وهو طريق أهل السير والسلوك نحو الإيمان والشوق
إلى الخالق العظيم. قال الإمام الصادق –
عليه السلام – : "كانت عبادة أبي ذر
التفكير والإعتبار" ، وقال الإمام الرضا –
عليه السلام - : "ليس العبادة كثرة
الصلاة والصيام وإنما التفكير في أمر الله عز وجل" ،
وروي عن الإمام علي – عليه السلام - : "ما
عبد الله بشيء أفضل من العقل" ،
وروي عنه أيضا : "تفكير ساعة خير من
عبادة سنة".
التعبد النفسي :
وهي
حالة الخضوع والتسليم الإيماني والتصديق بالرسائل والشرائع والإلتزام بمبادئ
الإسلام ونظامه والسير بها نحو الله والإذعان لأوامره والتفويض له والتوكل عليه
والرضا بقضائه وقدره والشكر له والإخلاص إليه.
إن
هذا الترويض الإيماني للنفس البشرية مرحلة من مراحل اليقين ومظهر من مظاهر السلوك
التكاملي في أعماق الإنسان في التسليم إلى إرادة المولى ومشيئته ، قال تعالى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
(سورة الحجر ، الآية 99).
التعبد البدني :
وهو
كل فعل يقتضي توجيه القوى البدنية لأداء الأفعال المشعرة بالخضوع لله والإستجابة
لأوامره كما هو الحال في أداء العبادات في
الإسلام التي تتطلب نوعاً من المشقة والحركة كالصلاة والصوم والجهاد والحج لتعويد
البدن على الإلتزام والإنصياع لإرادة الله والإمتناع عن الممارسات الشاذة المحرمة.
ولقد
عبر الإمام الباقر – عليه السلام – عن هذه العبادة بأدق التعابير حيث قال : "أفضل
العبادة عفة البطن والفرج".
التعبد المالي :
وهو
في مجال علاقة الإنسان بالآخرين من خلال تحديد المسؤولية المالية التي فرضها الله
في أموالنا وذممنا - كفرض الزكاة والخمس – وحثنا على الإنفاق والتضحية بالمال في
سبيل الله من أجل إصلاح المجتمع وسد حاجات المعوزين. ففرض هذه العبادة المالية
لأنها نوع من التكامل الإجتماعي.
إن
التزام الإنسان بتأدية الحقوق المالية المفروضة عليه نوع من ممارسة الطاعة لله
لتحقيق المجتمع الإيماني الذي دعا إليه القرآن : (الَّذِينَ
إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الْأُمُورِ) (سورة الحج ، الآية 41). وفي ذلك
أيضاً تربية سلوكية للإنسان المؤمن على البذل والعطاء وعدم الحرص على حب المال
والتعلق بالدنيا وإزالة الشح والبخل والأمراض الخلقية من نفسه. ولقد دعا أئمة أهل
البيت – عليهم السلام – شيعتهم على تأدية هذه الحقوق المالية فكانوا في ذلك المثل
الرائع والقدوة الصالحة.
قصة الإمام الصادق – عليه السلام – مع المعلى بن خنيس :
قال
المعلى بن خنيس : خرج أبو عبدالله – عليه السلام – في ليلة قد رشت "أمطرت"
وهو يريد ظلة بني ساعدة ، فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال : "بسم
الله اللهم ردَّه علينا" ، قال : فأتيته فسلمت
عليه ، قال : فقال : معلّى؟ قلت : نعم جعلت فداك ، فقال لي : التمس بيدك فما وجدت
من شيء فادفعه إليَّ فإذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع إليه ما وجدت فإذا أنا
بجراب أعجز عن حمله من خبز فقلت : جعلت فداك أحمله على رأسي فقال : لا أنا أولى به
منك ولكن أمض معي قال : فأتينا ظلّة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدسُّ
الرغيف والرغيفين حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا ، فقلت : جعلت فداك يعرف هؤلاء
الحق ، فقال : لو عرفوه لواسيناهم بالدُّقة "والدقة
هي الملح" إن الله تبارك وتعالى لم
يخلق شيئاً إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة فإن الربَّ يليها بنفسه وكان أبي إذا
تصدَّق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتدَّه منه فقبله وشمّه ثم ردّه في يد السائل ،
إن صدقة الليل تطفيء غضب الرب وتمحو الذنب العظيم وتهوِّن الحساب وصدقة النهار
تثمر المال وتزيد في العمر ، إن عيسى ابن مريم – عليه السلام – لما أن مرَّ على
شاطئ البحر رمى بقرص من قوته في الماء فقال له بعض الحواريين : يا روح الله وكلمته
، لم فعلت هذا وإنما هو من قوتك ؟ فقال : فعلت هذا لدابة تأكله من دواب الماء
وثوابه عند الله عظيم. المصدر : الكافي ج 4 ص 8 باب صدقة الليل.
هذا
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.