جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 21 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 21 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

نبارك للأمة الإسلامية ميلاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

قال الله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة الروم: الآية 21)

لقد دعا الإسلام إلى الزواج واعتبر العلاقة بين الزوجين نظاماً أساسياً في بناء الحياة الإنسانية. ففي الزواج يحفظ النوع البشري من الإنقراض وتبنى الأسرة المتعاطفة المتعاونة ، ويحفظ الإنسان نفسه من الوقوع في المعاصي والعلاقات الجنسية المحرمة.

والزواج من السنن التكوينية والتشريعية الإلهية ، قال تعالى (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (سورة الذاريات ، الآية 49) ، وقال تعالى (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ) (سورة النور ، الآية 32).

واعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الزواج سنة من أعظم سنن الحياة الإجتماعية في الإسلام حيث قال "فمن أحب فطرتي فليتسنن بسنتي وإن من سنتي التزويج" ، وقال أيضاً "ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله من التزويج" ويقول الإمام الصادق عليه السلام "إن امرأة الصحابي الجليل عثمان بن مضعون جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل ، فخرج رسول الله – صلى الله عليه وآله – مغضباً يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان ، فوجده يصلي ، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله – صلى الله عليه وآله - ، فقال له : ياعثمان لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنفية السهلة السمحة ، أصوم وأصلي وألمس أهلي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ، ومن سنتي التزويج" (الكافي ج5 باب النكاح). من هذه الحادثة نلمس عناية الرسول الأكريم – صلى الله عليه وآله وسلم – بمسألة العلاقة الزوجية والاهتمام بأمور الدنيا والآخرة وفي مقدمتها الزواج.

لقد اعتبر الإسلام الزواج عملاً مستحباً في الحالات الاعتيادية ، غير أنه اعتبر الزواج في الحالات التي يتوقف عليها حفظ النوع البشري وعند شعور الرجل أو المرأة باحتمال الوقوع في الحرام من الأمور الضرورية المحتمة. كما اعتبر حياة العزوبة أمراً مكروهاً. ففي الرواية "رذّال موتاكم العزاب" (المصدر السابق).

وفي الوقت الذي يدعوا إلى الزواج يحث على رفع المعوقات التي تحيل دون تحقيقه والدعوة إلى تيسيره والتقليل من مصاريفه ومستلزماته.

غلاء المهور :

لقد أحاط الإسلام قضية الزواج بالقداسة والتكريم فجعل العلاقة بين الزوجين علاقة إنسانية قائمة على أساس الحب والمودة والرحمة – وليست علاقة مادية – قائمة على أساس المصالح الذاتية والمادية التي ينتج عنها الفشل في الحياة وعدم الاستقرار والطمأنينة – وهما من أهم ركائز الزواج الناج -.

لذا جعل الإسلام مقياس الصلاح في الزوج والزوجة (الدين والأخلاق الحسنة) وليس المال والجاه والطبقة الاجتماعية ولا الجمال ولا غير ذلك من الاعتبارات الأخرى التي يتأثر بها كثير من الناس ، قال رسول الله – صلى الله عليه وآله – "إذا جائكم من ترضون خلقه ودينة فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" و قال – صلى الله عليه وآله – "إياكم وخضراء الدمن فقيل : يا رسول الله وما خضراء الدمن ، قال : المرأة الحسناء في منبت السوء".

ولهذا فإن الاهتمام بالجوانب الجمالية دون النظر إلى الجوانب الأخرى يجعل من الزواج مسألة هامشية في حياة الإنسان وتكون العلاقة لقضاء الرغبات الجنسية.

من هنا – كرّه – الإسلام غلاء المهور وحث على تخفيفها لئلا تكون سبباً في عرقلة الزواج وانتشار العزوبة في الرجال والنساء وحدوث المشاكل الاجتماعية الخطيرة بسبب عدم القدرة على الزواج وخصوصاً في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة التي انتشرت فيها بعض الظواهر الشادة وتسربت فيها الأمور الإباحية بما يبثه الغرب من أفلام إباحية لإفساد أبنائنا وبناتنا وتمييع مجتمعاتنا.

لذا نؤكد على أن التشجيع على الزواج وتسهيله من أهم الأمور التي نستطيع أن نحصن بها أبنائنا من الإنزلاق وراء هذه المخاطر ، وأن أي محاولة لعرقلة الزواج يكون سبباً وعاملاً للفساد الأخلاقي والإنهيار الأسري والإجتماعي.

مهر السنة :

لقد ضرب لنا رسول الله – صلى الله عليه وآله – مثلاً أعلى في التقليل من المهر عندما زوج علياً بفاطمة بذلك المهر المتواضع حرصاً منه صلى الله عليه وآله على تسهيل الزواج والترغيب عليه والدعوة إلى تيسيره وهو المثل الأعلى لنا والقدوة الربانية للإنسانية. فعندما أرسل إلى الإمام علي بن أبي طالب قال له "إن الله يأمرني أن أزوجك فاطمة" ، ثم قال له : هل معك شيء أزوجك به فأجابه الإمام علي – عليه السلام – بأنه لا يملك إلاّ سيفه ودرعه وبعيراً فقط ، فباع الدرع بخمس مائة درهم فجعلها مهر فاطمة. لذلك اعتبر هذا المهر هو مهر السنة لأن رسول الله – صلى الله عليه وآله – زوج علياً بفاطمة الزهراء – عليها السلام – بهذا المهر المتواضع وبقي أهل البيت – عليهم السلام – ملتزمين في زواجهم بهذا المهر.

قال جابر بن عبدالله الأنصاري – رضي الله عنه –  : "لما زوج رسول الله فاطمة من علي أن أناس من قريش قالوا إنك زوجت علياً بمهر خسيس ، ولكن الرسول لم يلتفت إلى هؤلاء".

بقي شيء آخر يجب أن نفهمه من هذا الزواج العظيم – وهو جهاز الزواج وأثاث البيت – فقد كان يتألف من : قميص بسبعة دراهم ، خمار بأربعة دراهم ، قطيفه سوداء خيرية ، سوير مزمل ، فرشان من خيش ، مخدة ليف ، قربة ماء ، كيزان خزف ، محطب من نحاس ، جرة خضراء ، رحى لليد ، إلى غير ذلك من الأمور البسيطة المتواضعة.

الوليمة :

ما هي الوليمة التي قدمها أمير المؤمنين في هذه المناسبة السعيدة؟

روى الشيخ الطوسي عن أمير المؤمنين – عليه السلام – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله – يا علي إصنع لأهلك طعاماً فاضلاً ثم قال من عندنا اللحم والخبز وعليك التمر والسمن ، فشريت تمراً وسمناً فحَسَر رسول الله – صلى الله عليه وآله – عن ذراعيه وجعل يشدخ التمر في السمن حتى اتخذ حيساً وبعث إلينا كبشاً سميناً فذبح وخبز لنا خبزاً كثيراً ثم قال لي رسول الله – صلى الله عليه وآله – ادع من أحببت ، فأتيت المسجد وهو مشحون بالصحابة فاستحييت أن أشخص قوماً وأدع قوماً ، ثم صعدت على ربوة هناك وناديت : أجيبوا إلى وليمة فاطمة ، فأقبل الناس ارسالاً ، فاستحييت من كثرة الناس وقلة الطعام ، فعلم رسول الله – صلى الله عليه وآله – ما تداخلني فقال لي : يا علي سأدعوا الله بالبركة. قال علي – عليه السلام – وأكل القوم عن آخرهم طعامي وشربوا شرابي ودعوا لي بالبركة وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل ولم ينقص من الطعام شيء. ثم دعا رسول الله – صلى الله عليه وآله – بالصحاف فملئت وجهه بها إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفة وجعل فيها طعاماً وقال هذه لفاطمة وبعلها.

وعن جابر قال : "حضرنا وليمة علي وفاطمة – عليهما السلام – فما رأيت أطيب منها" (المصدر ينابيع المودة ، ص 233)

إن ما نشاهده هذه الأيام من إقامة حفلات الزواج في الصالات هي من الظواهر الطارئة على مجتمعاتنا ومدعاة إلى التبذير والسرف وتشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل المتزوجين وخروج على التعاليم الإسلامية. فلا بد لنا أن نقف دون سريانها في مجتمعاتنا وبين شبابنا لأنها من العوائق الحائلة دون تحقيق هذا المشروع الإلهي بين الرجل والمرأة وهي في الحقيقة من الظواهر التي تسربت لنا من المجتمعات اللادينية التي لا تراعي القيم الإنسانية والموروثات الاجتماعية.

أعادنا الله وإياكم من الإنزلاق وراء هذه المظاهر الخداعة إنه ولي المؤمنين.


جاروديات : كلمة الجمعة