جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 14 / 6 / 1423هـ في مسجد الحصمية لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

كلمة الجمعة الموافق 14 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1)

لقد أطل الإسلام الحنيف على دنيا الناس فسجل انعطافاً تاريخياً كبيراً ليس له مثيل في حياة المرأة حيث استعادت في ظله كرامتها المهانة وحقوقها المهدورة قروناً متطاولة تحت وطئة الجاهلية الجهلاء. ولأول مرة في تاريخ البشرية تمنح المرأة حق العيش الكريم والحياة الواقعية في ظل حضارة الإسلام العظيم.

ولأول مرة في تاريخ البشرية يحق للمرأة قانوناً وشرعاً أن تتمتع بحقوق إنسانية رفيعة وتتبوأ مكانة سامية وحقوقاً متساوية بالرجال ولكن في حدود ما حباها الله تعالى من إمكانات وما هيأ لها من فرص طبيعية للمساهمة في إثراء الحياة وصناعة المجد وإقامة الحق وإشاعة الخير.

ويعطينا القرآن الكريم صروة لواقع المرأة في التاريخ الجاهلي والذي كان من أشد عصور الجهل ظلامة للمرأة في وئدها فيقول : (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التكوير: 8 - 9)،وفي قوله تعالى : (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (النحل:59) فيعلن انتهاء هذا العصر المظلم بظهور التقنين الإسلامي الذي يعطيها حق الحياة ويظمن لها حق الوجود (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (الأنعام: من الآية151).

لقد اهتم الإسلام اهتماماً ملحوظاً بالمرآة فحرص على صياغة حجابها وحفظ كرامتها وصيانة شخصيتها من التردي والضياع وذلك في بعدين :

الأول : المحافظة على دورها الرسالي في الحياة من خلال القيام بمسؤولياتها الشرعية بالمجتمع الإنساني على الوجه المطلوب بتقديم كل ما يخدم المجتمع والنهوض بالرسالة الإسلامية والمساهمة الفعالة في مسيرة الحياة وفق الحدود الشرعية التي بينها الإسلام فدعاها للعمل والمساهمة الجدية في نشر الخير وزرع المعروف والدعوة لمضامين الرسالة الإسلامية والدفاع عن كيان الأمة مع الرجل صفاً لصف (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).

الثاني : حماية عفافها وسد المنافد أمام عملية استغلالها واستدراجها نحو السقوط في مستنقع الرذيلة أو تحويلها إلى أداة لتمييع المجتمع من حولها كما يفعل الغرب اليوم تحت شعار )حقوق المرأة وحريتها( فنجد الإسلام حافظ على حشمتها وعفتها وحرص على غض النظر وعدم الإختلاط غير المحتشم وكل ما يحط من كرامتها فشرع لها الحقوق والواجبات التي تحفظ لها مكانتها في ظل الإسلام وكان )الحجاب( من أهم ما تبناه الإسلام في رسالته العظيمة لحفظ التوازن في المجتمع الذي يقيمه الإسلام إضافة إلى حرصه الشديد على الطهر وسلامة العلاقة بين الجنسين لتنتظم الحياة الإجتماعية العامة.

الحقوق العامة للمرأة :

لقد حافظ الإسلام على المرأة من خلال ظمان جملة من الحقوق والواجبات لها منها :

حق التعليم :

اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً برفع مستوى ثقافة المرأة وتعليمها - كي تتحمل مسؤوليتها بوعي وتمارس دورها بفاعلية – فلابد لها من حدّ أدنى من الثقافة والمعرفة. فبالعلم تستطيع أن تكون أماً وزوجةً ومربيةً فاضلةً فهو الذي يسلحها بالكفاءة ويعلمها كيفية التعامل مع الزوج والأطفال وفق التعاليم الدينية والقواعد التربوية. وبالعلم تستطيع أن تمارس الوظائف المختصة بجنسها والمناسبة لها ولذا جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد على حرصه الشديد على تعليم المرأة وتوعيتها حيث قال "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة". فالعلم حق ثابت وأساسي للرجل والمرأة على السواء وعلى المجتمع أن يدعم هذا الحق ويطوره فالجهل لا ينتج عنه إلاّ التخلف والوبال والمهانة. ففي عصر النبوة يروى أن إمرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالت له : "ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتي إليك فيه تعلمنا مما علمك الله" فأجابها الرسول (ص) إلى طلبها وقال : "اجتمعن فجاء الرسول (ص) فعلمهن مما علمه الله".

حق العمل :

منح الإسلام المرأة حق العمل في المجالات العامة ولكن في (إطار خاص) من القيم والأخلاق ويشترط أن (لا يتعارض مع الواجبات الخاصة) الملزمة بها المرأة كأم أو زوجه ، ولكن فضل في الوقت ذاته أن تمارس دورها كاملاً كزوجة وأماً ، وتكفل الرجل في مقابل ذلك بالعيش الكريم العزيز لها ، فأوجب الله على الزوج توفير شؤونها المالية كي تتجه بكل جهدها لرعاية الإنتاج البشري السليم.

ويوجه الإسلام نظرته في ذلك إلى أن المرأة بتكوينها الجسدي وطبيعتها العاطفية معدة لوظيفة الأمومة فإذا لم تستجب لهذه الوظيفة ، تكون قد بددت طاقة خلاقة نافعة فينعكس ذلك سلباً على إنسان المستقبل الذي يحرم منها من أجل أعمال آخرى باستطاعة  الرجل أن يمارسها بشكل كامل.

حق العقيدة و الرأي :

ضمن الإسلام حرية الرأي والعقيدة لكل إنسان فهي من الحقوق المكفولة للرجل والمرأة على حدٍ سواء. فلها إبداء رأيها في ظل الإسلام دون أن يُحجر عليها أو تمنع من ذلك. ولذا شاركت المرأة في صدر الإسلام في بيعتي العقبة الصغرى والكبرى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة:12).

حق الملكية :

ومن الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة الميراث ، إجراء العقود التجارية من إجارة ورهن ووكالة وملكية العقارات ولها حق التصرف فيما تملك ظمن القواعد الشرعية المحددة ، قال تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء: من الآية32) وقال تعالى (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) (البقرة: من الآية229).

بعد هذه  النظرة السريعة لبعض حقوق المرأة يأتي دورنا في تفعيل دور المرأة في مجتمعاتنا لتأخذ دورها الفاعل في صياغة الأسرة وحماية المجتمع والرقي به إلى أعلى المستويات وأن نفسح لها المجال على جميع الأصعدة العامة في البيت وفي المدرسة والجامعة والحوزة وفي كل مكان يمكن أن يستوعبها ويوافق نتاجها وعطائها الكريم.


جاروديات : كلمة الجمعة