جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 07 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 07 / 06/ 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (سورة الحج: الآية 41)

يخطط ديننا الإسلامي إلى تحقيق المجتمع الصالح (المثالي) الذي يصوره لنا القرآن ويحدد شكله وصياغة تكوينه ويتحدث عن حتمية تحقيقه في واقع الحياة بما يحمل من ركائز ونظم عالية قائمة على أسس ورؤى إيمانية تحقق لجميع أفراده السعادة والرفاهية وهو ذلك المجتمع الذي تكون عقائد وأخلاق وأعمال أفراده منسجمة مع التعاليم والأحكام الإسلامية. ولعل أهم ما يمز أفراده ثلاث خصائص :

1.  أنهم يولوا العبادة لله تعالى ويوثقوا الصلة به.

2.  أنهم يتقصون الاحتياجات المادية والاقتصادية للآخرين ويسعون في رفعها وقضائها.

3.  أنهم يفرضون رقابة شديدة حتى لا يسقط الناس في أحضان الرذيلة والإنحراف في العقائد والأخلاق.

ونستطيع القول أن جميع ركائز المجتمع المثالي الإسلامي متفرعة من هذه الخصائص الثلاث الأصلية ويمكن لنا أن نستعرض هذه الخصائص التي يتميز بها دون سائر المجتمعات التي ظهرت على طول التاريخ البشري.

العبادة والعلاقة مع الله :

علاقة أفراده بالله أهم ما يميزه عن بقية المجتمعات الأخرى ، فالهدف من وجود الإنسان في هذا الكون هو معرفة الخالق وعبادته والإرتباط به ويتعين عليه أن يقيم علاقة خاصة مع الله بواسطة العبادة وسائر الشعائر الإيمانية – بما يوحي أن كل أفراد المجتمع الصالح – موحدون مؤمنون معتقدون بجميع ما شرع المشرع من أجل سعادة البشر وهدايتهم. فالإيمان هو من الأسباب التي تحقق للبشرية العيش الكريم والحياة السعيدة والنعيم الأبدي والكفر هو سبب هلاك الأمم السابقة وكثير من المجتمعات ، قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (سورة الأعراف ، الآية 96) ، وقال تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) (سورة الروم ، الآية 42)

السعي لقضاء حاجات الآخرين :

الفرد في المجتمع الصالح لا ينحصر تفكيره في مصالحه ومنافعه الشخصية ، بل ينظر إلى الآخرين بعنوان أنهم عباد الله تعالى ويحاول جاهداً تحقيق الهدف من الوجود وهو الرقي والتكامل الحقيقي لجميع الناس على أفضل درجة ، ولهذا فهو يشعر بالمسؤولية إزاء الآخرين أيضاً ، قال تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) (سورة التوبة ، الآية 71).

وما كان المجتمع الصالح أن يتغاضى عن رعاية أفراده البؤساء وهم يعانون الفاقة وألم الحرمان دون أن يتحسس مشاعرهم ويتطوع لإغاثتهم والتخفيف من ضررهم. والنصوص الدينية تؤكد على هذه المفاهيم الراقية :

·  النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم".

·  النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "ما آمن من بات شبعان وجاره جائع وما من أهل قرية فيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة".

الرقابة الشديدة :

وقاية المجتمع من الإنحراف أهم ركائز المجتمع الصالح بحيث يكون أفراده على أهبة الإستعداد لمواجهة كل ما يهدد استقرار المجتمع وأمانه من ألوان الفساد الأخلاقي والاقتصادي بفرض رقابةٍ تشريعية وخطوات عملية تتناسب وتركيبة الفرد والمجتمع من النواحي النفسية والفكرية والمادية لانتشاله من السقوط والارتفاع به إلى مدارج الكمال الإنساني.

فمن خصائص المجتمع المؤمن أنه يعنى بالوقاية والعلاج وإيجاد الحلول المناسبة لحماية أفراده بتطبيق القوانين الرادعة لمنع الجرائم والمعاصي التي تؤدي إلى الإخلال بالقيم والموروثات الحمدية – حيث يأتي تشريع قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – في طليعة ما شرعه الإسلام لحماية الأمة من المنحرفين والمفسدين في الأرض ، قال تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (سورة آل عمران ، الآية  ) ، وقال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة آل عمران ، الآية 110).

إن ما تعانيه مجتمعاتنا الحاضرة من تفشي أنواع الجرائم وألوان الفساد والشدود الأخلاقي وانتشار بعض الموبقات الخطيرة التي تهدد استقرارها وأخلاق أفرادها من تفشي عادات المجون والغناء والخلاعة وظواهر الشذوذ يستدعي الوقوف بجدية أمام هذه المخاطر المحدقة بأبنائنا وشبابنا الأعزاء. وندعوا الأخوة الشباب الواعي المثقف إلى التفاعل والتحرك بجدية لصد هذه الظواهر الدخيلة على مجتمعاتنا والشعور بالمسؤولية الحقيقية لتفعيل (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وأن ينفتحوا بإخلاص على الآخرين الذين ضاعوا في متاهات الضياع والإنفلات بسبب الإهمال وعدم التوجيه والنصيحة.

إن سكوتنا وعدم اكتراثنا بما يجري يعد مساهمة عملية في المعصية والجريمة ما دمنا راضين بذلك غير جادين في دفع الجرائم واقتلاعها من جذورها. فالمجتمع الذي لا ينكر جريمة فرد من أفراده يعتبر جزءً فاعلاً في حدوثها ووقوعها ، قال أمير المؤمنين : "يا أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط ، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم العذاب لمّا عمّوه بالرضا فقال سبحانه "فعقروها فأصبحوا نادمين"" (نهج البلاغة ، الخطبة رقم 201).

أيها الأخوة : لقد سعى الغرب بما أوتي من قوة إلى استعمار مجتمعاتنا بما يُصدِّره لنا من أفكار تخريبية استطاعت تمييع شبابنا وانحلالهم سلوكياً نحو تقليده والسير وفق ما يرسمه لهم من مخططات تستهدف النيل من إسلامنا العظيم ومقدساتنا وموروثاتنا. لا بد لنا أن نكون على مستوى هذه التحديات الخطيرة ونتسلح بسلاح الإيمان والعقيدة للدفاع عن كيان الأمة ومقدراتها ، قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (سورة النور ، الآية 55)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة