كلمة
الجمعة الموافق 30 / 05/ 1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي
المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (آل
عمران: من الآية19)
منذ
بزوغ فجر الإسلام أخذ الفكر البشري يتفاعل نحو التجديد والتطوير في مختلف حقول
المعرفة والعلوم. ونتج عن ذلك استكشاف العلوم الجديدة التي أغنت البشرية بالمنافع
الهائلة على مدى التاريخ فأسست علوم بعد ظهور الإسلام كان المسلمون روادها الأوائل
في تأصيلها وتجديرها كعلوم اللغة والتفسير والحديث والفقه والطب والهندسة والفلك
إلخ.
ونتج
عن ذلك النشاط الفكري لعلماء الإسلام مجموعة كبيرة من المدونات في شتى المعارف
البشرية تُعتبر مرجعية تراثية في رصيدنا الثقافي ومخزوننا المعرفي.
ولم
يكتف الفكر الإسلامي ببناء ذاته وتطويرها وإنما انفتح على الحضارات الأخرى فتفاعل
مع ما هو إنساني وإيجابي وأعاد صياغته وتأصيله وردَّ ما هو خارج على أصول العقل
ومخالف لمبادئ الإسلام الحنيف.
ولا
زال الفكر الإسلامي في تطور مستمر وفي حركة تجديدية شاملة لكل قضايا الإنسان
المعاصر بما يخدم جميع الجوانب الحياتية وما يتماشى مع متطلبات العصر.
إن
عملية الاستنباط في الفقه الإسلامي هي من أهم دوافع التجديد وهي أحد المؤشرات على
دعوة الإسلام لتجديد الفكر الديني وإحيائه من خلال فهم النصوص الإسلامية ودراسة
المتغيرات في المفاهيم العامة مع الحفاظ على الثوابت وعدم المساس بجوهرها وقداستها
والتعدي على أصولها المقدسة.
مساحات التجديد :
لا
بد من تحديد الثوابت والمتغيرات في الفكر الإسلامي لنفهم عملية التجديد والتطور
وأين المساحات القابلة للتجديد أو غير القابلة وعلى الأصول المقدسة للإسلام فنقول
:
إن
أصول الفكر الإسلامي المتمثلة بالقرآن الكريم والصحيح من السنة الشريفة "سنة
الرسول (ص) والأئمة الإثنى عشر (ع)"
هي أصول ثابتة على الإطلاق وغير قابلة للتغيير والتجديد فهي المرجعية المنصوصة
وبها تتمثل أسس الحلال والحرام ومعايير التجديد والتحريف. فهذه هي الأصول التي
تمثل الجانب الإلهي الذي يلتزم به المسلمون وتعتبر قوانين غير قابلة للتغيير
والتبديل.
أما
مسألة التفريع وفهم هذه الأصول من قبل أصحاب الاختصاص من الفقهاء والعلماء
والمفسرين فهو الفهم القابل للتجديد والتغيير مما نتج عن ذلك مناهج علمية متفاوتة
ونظريات إسلامية في مختلف العلوم والنظم الحياتية ومن ذلك أيضاً تفاوت الوعي
والفهم لهذه الأصول والثوابت بين السلف الصالح وبين المتأخرين من الفقهاء وذلك إذا
رجعنا إلى التراث الفقهي والكلامي والفكري لكلا "الزمنين"
سنجد تجديداً ملحوظاً في الزمن المتأخر.
من
هنا نقول أن القابل للتغيير يشتمل على مساحتين :
1. الأشياء المكتشفة في القرآن والسنة والمختلف في فهمها وتفسيرها.
2. الإكتشاف في القرآن والسنة المغفول عنه في التراث السابق.
ومن
نافلة القول نشير إلى أن العودة إلى الثوابت "القرآن
والسنة المطهرة" لا تعني العودة
إلى الماضي ، فالثوابت ليست جزأً من الماضي أو جزأً من التراث الإسلامي بل هي
الأسس الثابتة لشكل الحياة الإسلامية في الماضي والحاضر والمستقبل.
الإختصاص في التجديد :
النصوص
الدينية تأمرنا أن نرجع إلى ذوي الإختصاص في فهم الفكر الديني لإن ذلك من المسلمات
عند العقلاء "رجوع الجاهل إلى العالم"
, وإلى ذلك تشير الآية الكريمة "
فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "
(سورة الأنبياء ، الآية 7 ). وما يعنيه ظاهر النص القرآني الرجوع إلى المتخصصين في
الشريعة لفهم معطياتها ومقاصدها حتى لا نقع في الشبهات ونصل إلى التفسيرات الخاطئة
في فهمنا إلى الإسلام.
ولكن
الحاصل أن الكثير من دعاة التجديد من شخصيات وتيارات تخول لنفسها صياغة أنواع من
الفكر تطلق عليه فكراً إسلامياً تجديدياً في حين أنها لا تملك أدنى مقومات
الاختصاص والمعرفة وهذه هي الخطوة الأولى باتجاه الإنحراف حيث أن الاختصاص يتمثل
بامتلاك أدوات المعرفة الإسلامية والقدرة الكاملة على الوصول إلى فهم النص الديني.
فمثلاً نرى البعض ممن يحمل اختصاصات أخرى غير الفقه والعقيدة كأن يكون أديباً أو
فيلسوفاً أو أستاذاً جامعياً يُنظّر للفكر الإسلامي ويستنبط الآراء والأفكار
وينتقد الموروثات الإسلامية بل ويخطئ الفقهاء وعلماء العقيدة.
وهذا
الأمر يستدعي مبادرة أصحاب الاختصاص ليكونوا بحجم المرحلة وبمستوى وعي حاجاتها
ومواجهة تحديات الساحة وفي مقدمة ذلك ملئ الفراغات التي يمكن للآخرين أن ينفذوا من
خلالها إذا ظهر أي اختلاف أو شبهة أو خطأً في نظرية أو فكرة إسلامية معينة وأن
الرجوع إلى القرآن هو الفيصل في ذلك "
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ "
(سورة النساء ، الآية 59 ).
أما
تفسير النص والحكم بانطباق النظرية على النص فهو شأن أهل الاختصاص "أهل
الذكر".
والنتيجة
أن للعلماء حق الرقابة والإشراف على كل فكر ينسب إلى الإسلام ، قال تعالى : "
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ " (سورة
النساء ، الآية 83).
والمفكر
الإسلامي الذي يسعى لتأسيس نظرية إسلامية أصيلة أو تطويرها يتعين عليه التمتع
بجميع مقومات الإختصاص من المعرفة وأساليب الاستنباط إضافة إلى الأصالة في التفكير
والقدرة الفائقة على النقد والمحاكمة ليكون النتاج إسلامياً في المقومات والمنهج
والتفكير وبالتالي "ليس كل مفكر أو مثقف
يمكنه الاستنتاج و الاستنباط".
المثقف المتفقه :
ظهرت
في السنوات الأخيرة مجموعة من المثقفين تطرح في دراسة النصوص الإسلامية والتراث
الإسلامي بحيث يعتبر البعض منهم أن فهمه للنص الإسلامي يجعله مؤهلاً إلى تأصيل بعض
النظريات وأن له القدرة على استنطاق بعض النصوص ومناقشتها بشكل يستدعي الإلتفات
إلى عواقب ذلك وخطورته على ثقافة المثقفين.
إن
ضرورة تفقه المثقف الإسلامي لا يعني وعيه للتراث والسعي إلى بلوغ مستوى القابلية
على الاستنباط والتخصص في العلوم الإسلامية أو الانخراط في سلك الدراسات الشرعية
كما لا يعني أن يعيش المثقف التراث بكامله وبكل تفاصيله بل الأصل هو قراءة التراث
قراءة منهجية بشكل يستوعب ما يقرأ والرجوع إلى أهل الاختصاص فيما يواجهه من شبهات
وغموض في استيعابها. وهذا هو المطلوب من "تفقه
المثقف".
بل
إن في بعض الكتابات سيواجه المثقف صعوبة في فهمها أو استيعابها حتى في النصوص
الجديدة التي تكتب خصيصاً لطلبة العلوم الدينية في الحوزات العلمية مثل علم الفقه
وأصوله والمنطق والفلسفة وأبواب الإلهيات وهذا يستدعي من العلماء كتابة مناهج
تبسيطية لهذه العلوم بلغة حديثة وأساليب تناسب المستوى العلمي لهؤلاء المثقفين.
وهناك
محاولات رائدة في الآونة الآخيرة يمكن للمثقف الرجوع إليها عند الحاجة ونحن نشد
على شبابنا الواعي إلى "التفقه الواعي"
بحيث يعيش الحياة بكل تفاصيلها وحاجاتها وهمومها وأن التحديات التي يعيشونها والتي
تسعى لحرفهم لا بد أن يكونوا بمستواها من النضج الثقافي الذي يؤهلهم للوقوف أمام
التيارات التغريبية ومحاربتها بالأساليب المشروعة النباءة التي تعتمد على النضج في
فهم الموقف الشرعي البذي تتطلبه المرحلة.
وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.