جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 23 / 05 / 1423هـ في مسجد الحصمية

كلمة الجمعة الموافق 23  / 05 / 1423هـ  في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

قال تعالى : "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ". (سورة البقرة ، الآية 256)

ينطلق الإسلام في دعوته الإلهية على أساس الإيمان بحرية المعتقد والدين وعدم إكراه الآخرين وإعطاء الإنسان فرصة الإختيار وتحديد المسؤلية مع التأكيد على أن الإختيار المضاد يستتبع المسؤولية بالعقاب في الآخرة بالنظر إلى وضوح الرؤية في الحق الذي يمثله الدين وفي الباطل الذي يمثله الكفر.

وفي ذلك يرسم لنا صورة المثُل العليا في التسامح والمرونة مع الرأي الآخر ، قال تعالى : " أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ " (سورة يونس ، آية 99) بل دعاهم بالحجة والمنطق والحكمة والموعظة الحسنة فيعرض عليهم الرشد الواضح في مقابل الغي الواضح ويترك لهم مجال الإختيار في تحمل المسؤولية وتحديد مصيرهم في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ " (سورة الكهف ، الآية 29) وهذا هو الخط العام الذي يقوم عليه الإسلام في جميع مبادئه وركائزه.

لا إكراه في الدين :

إن الدين قائم على مجموعة من العقائد القلبية والمفاهيم والأحكام التشريعية التي لا يمكن أن تُفرض بالإكراه وكذلك قائم على مجموعة من الأدلة والبراهين الواضحة والإستدلالات المنطقية والإعجازات العلمية وهذا ما ينفي الإكراه في تعميقها في نفوس الناس واستقرارها في قلوبهم. وفي مضمون النص القرآني ردٌ حاسم على الذين يتهمون الإسلام بأنه توسل أحياناً بالقوة وبحد السيف والقدرة العسكرية في تقدمه وانتشاره وما إلى ذلك من الآراجيف التي روجها الإعلام الصليبي المسموم ضد الإسلام في محاولون تحريف بعض المفاهيم الإسلامية والأحداث التاريخية لترويج أباطيلهم بينما يتضح بجلاء لكل منصف أن الحروب التي خاضها الإسلام كانت دفاعية ووقائية ولم تكن إبتدائية من أجل السيطرة والتوسع بل كانت للدفاع عن النفس وإنقاذ الفئات المستضعفة الرازحة تحت سيطرة الطواغيث لتحريرها من ربقة العبودية والرق وكذلك لدفع الخطر عن مقدسات المسلمين ومقدراتهم التي كان يديرها أعداء الإسلام من اليهود والصليبيين.

والشاهد الحي على ذلك هو ما تكرر حدوثه في التاريخ الإسلامي فقد كان المسلمون إذا فتحوا بلاداً تركوا أتباع الأديان الأخرى أحراراً في عقائدهم. ونحن لا ننكر أن الإسلام توسل أحياناً بالقوة العسكرية من أجل تحقيق بعض الأهداف التالية :

1. لمحو آثار الشرك وعبادة الأصنام : وذلك لأن الإسلام لا يعتبر عبادة الأصنام ديناً من الأديان بل يراها إنحرافاً ومرضاً وخرافة ولا يجوز أن يتسامح مع هذا الجهل والإنحراف الذي هو ضد مصلحة الإنسان والحياة بل الإسلام جاء من أجل أن يزيل كل عوامل الإلحاد في دعوته التوحيدية فلا معنى أن يتسامح في لعيش معها على أساس الإحترام المتبادل لأنه يعني إعطاء الحرية لنقيض ما جاء به. وعدم اعترافه بديانتهم الوثنية لا يعني إكراهاً لهم على الدين وحملهم عليه وإنما هو ممارسة لسلطته التشريعية  عليهم في عدم ممارستهم للكفر من ناحية عملية.

2. للقضاء على المتآمرين على الإسلام : ومن ذلك كانت معهم الحروب التي خاضها المسلمون مع الرسول في عهده صلى الله عليه وآله مثل حرب أحد والأحزاب وحنين ومؤتة وتبوك وخيبر هي حروب وقائية دفاعية لحماية المسلمين والحفاظ على أموالهم وأعراضهم من النهب والسلب ولا يمكن ذلك إلا من خلال التوسل بالقوة العسكرية.

3.للحصول على حرية الدعوة والتبليغ : حيث أن لكل دين الحق في أن يكون حراً في الإعلان عن نفسه بصورة منطقية ولا يمكن لأحد الحجر عليه ومنعه. وهذا ما حدث للدعوة عند انطلاقتها الأولى. أما الجهاد من أجل الدعوة إلى عبادة الله فليس هدفه إكراه الناس على الدخول في الإسلام بل هدفه إيصال الدعوة إلى كل إنسان من أجل قيام الحجة البالغة على الناس كافة وأن القتال في الإسلام لم يستهدف إجبار الناس على الدخول في الدين بل خاضع للأسباب والمبرارات الواقعية التي ألمحنا إليها.

وتأتي حملة الغرب في هذه المرحلة في تصوير الدين الإسلامي أنه دين الإرهاب والعنف والإكراه وما إلى ذلك من الأراجيف المسمومة لأنهم حملوا بعض تصرفات المحسوبين على المسلمين من الذين فسروا الدين بما يخدم مصالحهم الشخصية التي هي بعيدة كل البعد عن أخلاق الإسلام القائمة على التسامح والمرونة في معاملة الآخرين وأن الإسلام كفل للآخرين حرية الرأي والعقيدة والحريات الدينية وهي مصانة ومحترمة في الدين الإسلامي وكفل لهم العيش المشترك مع المسلمين مالم يكونوا محاربين.

وللأسف أن هؤلاء لم يسلم منهم المسلمون أيضاً فما يعانيه المسلمون منهم من الغلضة والخشونة والإسائة في المعاملة يجعل منهم حالة من الشادين على تعاليم الإسلام المتسامح مع المخالفين والأديان الأخرى وأن رفض الرأي الآخر والمذهب الآخر هو نوع من الإكراه الذي رفضه الإسلام وأن تكفير الطوائف الإسلامية بمجرد اختلاف الرأي والإجتهاد في فهم الدين هو الإكراه الممقوت. إنا ندعوا هؤلاء إلى تصحيح بعض المفاهيم والمعطيات التي اعتمدوا عليها في فهم الدين وعلى المسلمين أن يرسموا صورة رائعة لهذا الدين السماوي كما جسده رسول الله صلى الله عليه وآله في تعامله مع الآخرين ، قال الله تعالى : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ". (سورة آل عمران ، الآية 159)

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.


جاروديات : كلمة الجمعة