جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 01 / 05 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام موسى الكاظم (ع) :

"اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات : ساعة لمناجاة الله ، وساعة لأمر المعاش ، وساعة لمعاشرة الإخوان الثقات ، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم ، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات".

الحديث الشريف يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الوقت ، ومدى الحرص على الاستفادة من كل لحظة من لحظات العمر ، ومن هنا تأتي قداسة الوقت في الإسلام ، ومدلول النص "الرواية" يؤكد على هذا المعنى من خلال تقسيم الإمام (ع) لوقت الإنسان للساعات المذكورة حرصاً منه (ع) على استغلال الوقت بالأمور الإيجابية الفاعلة = وقت لمناجاة الله يجد فيه المسلم تقوية الجانب الروحي والمعنوي في علاقته مع الله ، ووقت للعمل على تحصيل قوته وأمر معاشه ، ووقت لعلاقته مع الآخرين ومعاشرة الصالحين من بني البشر ، ووقت للترويح عن النفس والترفيه عنها بالأشياء النافعة التي تجدد له النشاط والحيوية وهي الساعة التي قال عنها (ع)  : "وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات".

المناجاة  :

ما أحوج الإنسان إلى تنمية العلاقة الروحية بينه وبين خالقه فيتوجه إليه بروح مؤمنة مملوءة بالأمل والثقة والرجاء ، ولو أخذ الدعاء – العبادة التي تصل الإنسان بالله – ودُرس دراسة تحليلية داعية لاستكشاف أغراضه والوقوف على آثاره التغييرية والتكاملية في النفس البشرية لما ترك الدعاء مؤمن بالله ، لذا جعل الدعاء في الإسلام وسيلة لربط الإنسان بالله والتوجه إليه ، والاعتراف بين يديه بالذنوب والجرائم ، وإظهار حاجة الإنسان وفقره وضراعته ورغبته في إصلاح نفسه وإنعاش حياته وإشعاره بضعفه وبحاجته إلى خالقه ، ولذا نشاهد هذا الأثر الإيماني في سلوك الإنسان المؤمن ظاهراً واضحاً فهو إذا أحس بالحاجة إلى الله لجأ إليه واثقاً بحسن إجابته ، وإذا أساء واقترف السيئات لجأ على الله يدعوه ويستغفره ويعترف أمامه بذنوبه .

من هنا جاء النص المروي السابق يؤكد على أن لا يخلو وقت الإنسان من هذه الساعة المهمة وهي ساعة المناجاة والدعاء لما لها من الأثر البالغ على تربية النفس وتصفيتها من الشوائب والذنوب ، وهذا لا يعني أننا نتناسى الأمور الأخرى في حياتنا ونتفرغ إلى العبادة والمناجاة ، فالإسلام لا يدعو إلى الرهبنة والتفرغ إلى الصومعة الكاملة ، فلهذا مما حاربه الإسلام ومقته في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا رهبانية في الإسلام" ، بل المناجاة لها وقتها الخاص الذي يجد فيه الإنسان المؤمن حلاوة المناجاة والتي يستشعر فيها صفاء النفس والنشوة الروحية والحاجة إلى التوجه والإتصال بالعالم العلوي .

العمل  :

الأمر الثاني الذي دعا إليه الحديث هو تأكيده على ضرورة العمل ، والكسب المشروع من أجل التغلب على متطلبات الحياة ، ولذا اعتبر الإسلام العمل عبادة ، وجهاد في سبيل الله ، ودعا الناس إلى العمل ، وحثهم عليه ، وحتم عليهم ان يكونوا إيجابيين في حيلتهم ، يستمتعون بالجد والنشاط ليفيدوا ويستفيدوا ، وكره لهم الحياة السلبية ، والانكماش والانزواء عن العمل ، قال تعالى : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (سورة الملك : آية 16) ، لقد خلق الله الأرض وملأها بالنعم والخيرات لأجل أن يعيش الإنسان في رفاهية وسعة ، قال الله تعالى : "وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ" (سورة يس : آية 33-34)

واستفاضت كتب الحديث بالروايات الداعية إلى العمل بما يلي :

العمل شرف للإنسان :  عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لئن يأخد أحدكم حبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب ثم يأتي فيحمله على ظهره ، خير له من أن يسأل الناس"

العمل جهاد في سبيل الله :عن الرضا(ع) : "الذي يطلب من فضل الله ما يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله".

العمل عبادة : عن الصادق عليه السلام : "أنه سال عن رجل فقيل له : أصابته الحاجة ، فقال : فما يصنع اليوم ؟ ، قالوا في البيت يعبد ربه عزّ وجلّ ، قال : فمن أين قوته ؟ ، قالوا من عند بعض إخوانه ، قال : والله الذي يقوته أشد عبادة منه".

العمل مهنة الأنبياء والأولياء :قال أبو عبدالله الشيباني رأيت أبا عبدالله عليه السلام وبيده المسجاة وعليه إزار غليظ والعرق يتصاب منه ، فقلت جعلت فداك أعطني أكفيك ، فقال عليه السلام له : "إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة"

المعاشرة  :

الأمر الثالث الذي دعا إليه الحديث : حسن المعاشرة والصحبة - الجانب الاجتماعي في حياة الإنسان من خلال علاقته مع الآخرين – وإشاعة مفهوم الأخوة الإسلامية ، فإن الناس في الإسلام أخوة متحابون ومتلاحمون إلى حد لا يوصف – حتى أنهم في المنطق الإسلامي يشبهون في تعاطفهم وتراحمهم وتلاحمهم الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، فمن الضروري أن ينمي الإنسان المسلم هذا الترابط بالعرى التي تؤصل هذه المفاهيم الإسلامية ـ وذلك بالمعاشرة المثالية مع الآخرين بالأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم ، وكذلك بالصداقة المتينة التي يجسدها المسلم عند تفقد إخوانه المؤمنين ، والمواظية على زيارتهم والسؤال عن أحوالهم ، لا أن يبعد عن أنظار الناس والمجتمع ، ويختفي تماماً عن انظار الآخرين – كأنه الميت بين ظهرانيهم – لا يزور مرضاهم ، ولا يساعد فقيرهم ، ولا يشيع موتاهم ، ولا يحضر مجالسهم ، وما أجمل ما ورد عن الإمام الصادق (ع) في هذا الشأن حيث قال : "تزاوروا فإن زيارتكم إحياء لقلوبكم وبإحياء القلوب يعطف بعضكم على بعض ، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم ، فإن تركتموها ظلمتم وهلكتم". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "من زار أخاه في بيته ، قال الله تعالى : " أنت ضيفي وزائري وقد أوجبت لك الجنة لحبك إياه".

الترويح عن النفس :

الأمر الآخر الذي أكد عليه الحديث هو مسألة الترفيه عن النفس والترويح عنها ، وذلك أن النفس بحاجة إلى الراحة والهدوء والصفاء للخروج من مشاكل الحياة وهمومها التي تشكل عاملاً ضاغطاَ بشكل يؤدي بعض الأحيان إلى الأمراض النفسية الخطيرة ، ومن هنا جاء التأكيد على أهمية الترويح والترفيه ، حيث يحتاج الإنسان إلى هذا الوقت الذي يُنفس فيه عن نفسه من خلال البرامج النافعة الهادفة ، وخصوصاً في وقت الفراغ والعطل الموسمية التي تمتد إلى شهور طويلة .

ويمكن الاستفادة منها بالبرامج النافعة ، والنشاطات الإيجابية الحيوية ، ويأتي الترويح عن النفس في صدارة هذه البرامج والأنشطة بصور مختلفة :

إما بالتمتع بجمال الطبيعة والمناظر الخلابة وذلك بالخروج إلى البساتين والحدائق الجميلة مع الأهل والأصدقاء ، مما يطفي على ذلك نوعاً من المتعة والمرح والرفاهية الفاعلة .

أو بالسياحة الهادفة التي تعود على الإنسان بالنفع والفائدة ، وذلك إذا ما استغل الفرص المتاحة له بالاجتماع مع العلماء والمفكرين ، وخصوصاً إذا كان السفر إلى بعض الأماكن المقدسة التي هي روافد علمية ومنابع ثقافية – لا كما يفعل البعض منا – في قضاء سفراته باللهو واللعب دون مراعاة لهذه الجوانب المهمة .

ودعوتي لأحبائي الطلبة العزاء أن يستفيدوا من العطلة الصيفية بالنشاطات الإيجابية الهادفة التي تعود عليهم بالنفع الكبير ، من خلال تكثيف البرامج الثقافية الفاعلة والاستفادة من الطاقات المخزونة التي يتمتع بها البعض من شبابنا المؤمن الواعي لتفعيلها بين أبناء مجتمعنا بالأمور الإيجابية الهادفة .

اللهم عمر أوقاتنا بطاعتك والاتصال بخدمتك حتى أخرج إليك في ميادين السابقين يا أرحم الراحمين


جاروديات : كلمة الجمعة