جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 3 / 04 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام : "تفقهوا في دين الله ، فإن الفقه مفتاح البصيرة ، وتمام العبادة ، والسبب إلى المنازل الرفيعة ، والرتب الجليلة في الدنيا والدين ، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب ، زمن لم يتفقه في دينه لم يرضَ الله له عملاً ". (تحف العقول)

الفقه في اللغة:الفهم.

وفي الاصطلاح :

هو العلم بالإحكام الشرعية والإحاطة بها من أجل العلم والعمل بها ، والالتزام بمحتوياتها ، لأن مصدر الحكام هو الله – تعالى – وبهذا تتميز عن الأحكام الوضعية التي يضعها البشر.

وعملية استنباط الأحكام الشرعية من قواعدها الكلية في الكتاب والسنة تحتاج إلى جهد علمي كبير ، وهذا الجهد يزداد ضرورة وتتنوع متطلباته وحاجاته كلما ابتعد الشخص عن زمان صدور النص ، الأمر الذي يتطلب اختصاصاً وتفرغاً وتعمقاً في الدراسة والبحث والمقارنة التدقيق.

لذا لا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد الجهد العلمي المتواصل بحيث يتأهل إلى فهم النصوص الشرعية ، يستخرج منها الفتاوى والأحكام مما يراه أمامه من القواعد والنصوص.

ويطلق على الشخص المتخصص الفقيه .

الفقيه :

 هو العالم الذي بلغ درجة عالية في العلم والفهم لعلوم الشريعة ، بحيث أصبح قادراً على استخراج الأحكام منها ، وهو بذلك يصل إلى مقام الإفتاء ، حيث يرجع إليه من هو دونه لأخذ الأحكام الشرعية منه – ولذا يسمى بالمفتي .

 منصب الإفتاء :

هو من المناصب الخطيرة التي لا يتصدى لها إلا من امتحن الله قلبه وشرح صدره ، ولا بد أن تتوفر فيه المؤهلات والشروط التي تجعله جديراً بهذه المكانة ، حيث يمكن للناس الرجوع إليه وتقليده في أمورهم الدينية ومسائلهم الحياتية .

ولذا حذرت الروايات من الفتيا في الدين لمن ليس له أهلية .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"أجرئكم بالفتيا أجرئكم على الله عز وجلّ ، أولا يعلم المفتي أنه هو الذي يدخل بين الله وبين عباده ، وهو الحاجز بين الجنة والنار". (بحار النوار ج 2 ص 120)

وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم : "من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده في الدين أكثر مما يصلحه". (بحار النوار ج 2 )

إذن ليس من السهل والبساطة أن يأتي لنا أيّ شخص ويدعي هذا المقام الخطير ، وليس من السذاجة أن نصدقه ما لم تشهد له الحوزات العلمية ، وأهل الاختصاص من الفقهاء والعلماء ، ولكن للأسف ينجرف البعض إلى تصديق كل من يدعي ذلك دون تريث وتمعن ، إما للعاطفة التي تسيطر على عقول البسطاء من الناس ، أو للجهل بمكانة وخطورة هذا المنصب الإسلامي.

وما أجمل ما قاله الشيخ محمد أمين زين الدية (ره) :

كثر المدعون حتى سرى الشك
لا تـقولوا الميزان يُثبت iiشيئا
***
***
وضـاعـت قـواعد البرهان
إن صدقتم فالعيب في الميزان

التفقه في الدين :

بعد أن آمن الإنسان بالله وبالإسلام ، وعرف أنه مكلف من قبل الله تعالى لكونه عبداً لله ، أصبح ملزماً بالامتثال بأحكام الله في جميع تصرفاته الحياتية وفق القوانين الإلهية التي هي عبارة عن الأحكام الشرعية ، التي لا بد أن يبني جميع تصرفاته الخاصة ، وعلاقته مع الأفراد الآخرين على أساسها وحدودها.

فإن واجهته مشكلة معينة في حياته فلا يحق له أن يتصرف معها بما تملي عليه نفسه ،إلا يكون بذلك خارجاً عن دائرة العبودية ، بل عليه ملاحظة الحكم الشرعي في هذا الأمر ،فإن كان أمراً فعليه الالتزام به ، وإن كان نهياً فعليه زجر نفسه عنه وتركه ، وبهذا يكون محققاً للعبودية التي يؤمن بها .

وعليه أن يتعامل مع الأحكام الشرعية معاملة التسليم المطلق ، لأنها أوامر ونواهي تكليفية مصدرها المشرع الكريم ، الذي يعلم الحكمة والمصلحة في تشريعها ، والالتزام بمضامينها ، فإذا كان كل عمل يعمله الإنسان أو موقف يقفه ، أو أي شيء يتعامل معه ، لا بد وأن يكون وفق حكم شرعي وتنظيم قانوني ، أصبح ملزماً عليه أن يعرف الأحكام والقوانين الإسلامية التي تنظم نشاطه وفعالياته من عبادات ومعاملات ...

وخصوصاً إّذا وصل إلى مرحلة التكليف الشرعي – وهي :

العقل :فلا تكليف على المجنون .

القدرة : "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ".(سورة البقرة ، الآية 286)

البلوغ : فلا تكليف على الصغير ، (15سنة ) للصبي ، و ( 9سنوات ) للبنت .

وأود الإشارة أخيراً إلى أهمية الالتزام بالأحكام الشرعية في جميع ما كلف به المولى ، لا كما بتعامل بعض الناس مع بعض الأحكام وفق مصالحهم الذاتية ، حيث يلتزمون بعض الحكام التي لا تتطلب جهداً أو مشقة ، أو لا تتعارض مع رغباتهم وميولهم – فنلاحظ التزام المكلف بأحكام الطهارة أو الصلاة في الوقت الذي لا نراه يلتزم بالخمس الذي تعلق بأمواله وذمته ، أو لا يلتزم بحرمة المعاملات الربوية التي يجريها مع بعض البنوك ويجني منها أرباحاً وفوائد مصرفية وقس على ذلك الكثير ، وهذا ناتج عن قلة الوعي الديني وضعف الالتزام الشرعي وانخفاض مستوى الثقافة الدينية .


جاروديات : كلمة الجمعة