جاروديات : كلمة الجمعة

يأتي تشريع الزيارة في صدارة الأهداف التي استهدفها أئمة الحق عليه السلام من أجل تخليد واقعة الطف وربط الأمة بحادثة كربلاء التي

كلمة الجمعة الموافق 26/ 03 / 1423هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ". (سورة المائدة ، آية 77)

من المسائل المثارة حول الشيعة الإمامية مسألة الغلو في أهل البيت (ع) وقد التبس الأمر عند البعض مما أدى إلى التشهير بالمذهب الشيعي دونما تريث ومحاولة لتتبع الحقيقة وتوضيحها وقبل اتخاذ المواقف المتشنجة تارة والمكفرة تارة أخرى – وهذا ما نلاحظه في مواقف لبعض المحسوبين على بعض التيارات السلفية – .

ولكي نصل إلى فهم الحقيقة العلمية لمسألة الغلو علينا أن نرتقي إلى مستوى الحوار العلمي الهادف وترك المهاترات المتشنجة التي تقف دون الوصول إلى النتيجة الحقة. ولفهم المسألة لا بد لنا أن نتتبع النقاط التالية : 

1.  معنى الغلو :

الغلو مأخوذ من الغلاء ومنه غلاء السعر – وهو إعطاء الشيء فوق قيمته –.

وفي الإصطلاح : هو إعطاء البعض مقامات الربوبية والإلوهية – ومنه غلو النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام – حيث رفعوه إلى مقام الربوبية والآية الكريمة السابقة تستنكر عليهم هذه العقيدة الباطلة.

2.  موقف الشيعة من الغلو :

أهل البيت عليهم السلام من أشد المعارضين للغلو والمغالين ، وقد أفتى فقهاء الشيعة بنجاسة الغلاة والنواصب وبعض الفرق الإلحادية المنحرفة.

قال السيد الخوئي – قدس سره – في تعريف الكافر : هو من لم ينتحل ديناً أو انتحل غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ، نعم إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً ، ولا فرق بين المرتد والكافر الأصلي والحربي والذمي والخارجي والمغالي والناصب. (المنهاج ، مسئلة 207)

وقال الشيخ محمد أمين زين الدين : الخارجي والناصبي نجسان وكذلك المغالي إذا رجع غلوه إلى الشرك بالله أو إنكار ذاته تعالى أو رجع إلى إنكار أحد ضروريات الإسلام مع الإلتفات إلى كونه ضرورياً. (كلمة التقوى ، ج1 ، المسألة 177)

3.  عقيدة الشيعة في أهل البيت :

لا يعتقد الشيعة في الأئمة من أهل البيت إلا بما ورد بالأدلة القطعية من القرآن والسنة المطهرة في شأن إمامتهم وعصمتهم وعلومهم ومن ذلك :

·  آية التطهير.

·  حديث الثقلين.

·  أحاديث الخلفاء بعدي إثنا عشر.

·  أحاديث تعيين علي بن أبي طالب في الخلافة.

وأدلة أخرى عقلية ونقلية ، فهل ذلك غلو.

إن الشيعة يعتقدون بأن الأئمة من أهل البيت هم ورثة علوم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ودليلهم على ذلك قول الإمام علي عليه السلام : "علمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب" (الطبقات لابن سعد 2/338 ، كنز العمال 13/114). وكذلك حديث جابر بن عبدالله الأنصاري عن رسول الله قال : "أنا مدينة العلم وعليه بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب" (نفس المصدر). ولإثبات إمامتهم وعصمتهم بالأدلة النقلية والعقلية يطول بنا الحديث ويمكن مراجعة الكتب المفصلة.

4.  مقامات أهل البيت (ع) :

لقد ورث الأئمة المعصومون بعض المقامات الغيبية والمراتب الربانية وذلك لثبوت مقام الإمامة والعصمة لهم فكانوا مصدر العلم والحكمة في زمانهم ، فالمراتب الربانية من العلم لم تثبت للإمام علي (ع) إلاّ لكونه إماماً بعد النبي (ص) ، فلا بد أن تكون هذه المراتب العلمية غير العادية عند الأئمة المعصومين من أبناء الإمام علي (ع) أيضاً لكونهم أئمة لهذه الأمة ، ومع العلوم غير العادية حبى الله الأئمة (ع) كرامات ومنحاً لأنهم خلفاء النبي (ص) وورثة ذلك المقام الشامخ في الإسلام ولأنهم وصلوا من التقوى والعصمة مرتبة يلازمها انكشاف الواقع لهم " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ". (سورة العنكبوت ، الآية 69)

فإذا كان القرآن الكريم يخبرنا عن عيسى بن مريم بأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى وإذا كان القرآن يحكي عن آصف بن برخيا وصي سليمان بن داوود (ع) في الآية " قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ " (سورة النمل ، الآية 40) ، فهل نبينا الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – أقل شأنا من عيسى بن مريم (ع)؟. وهل أوصياؤه البررة أقل مرتبة من وصي سليمان بن داوود (ع) ؟. ومن المعلوم أن الإطلاع على ما في الكون أهون من التصرف في الكون الذي جرى على يد وصي سليمان فأحضر عرش بلقيس إلى سليمان في لحظة.

فبعد ثبوت الإمامة والوصاية للأشخاص المعنيين من أهل البيت (ع) بالأدلة القطعية المتقدمة لا مانع على الإطلاق من الاعتقاد بأنهم يعلمون الغيب أو تتحقق على أيديهم المعاجز  بإذن الله وبشكل محدود  ، وإذا كان القرآن يجعل علم الغيب منحصراً في الله سبحانه وتعالى فذلك يعني العلم بالغيب المطلق وبشكل ذاتي ، فهو من شأن الله وحده وهو علاّم الغيوب ، لكن القرآن عاد واستثنى فقال "عالم  الغيب لا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول" (سورة الجن ، الآية 26) ، ولا يطلع الرسول على غيب الله أحداً إلاّ من ارتضى من إمام وولي. والدليل عليه نفس الحديث المتقدم "علمني رسول الله ألف باب من العلم" إذ كيف يُعَلِمُ رسول الله علياً ألف باب من العلم في لحظات إذا لم يك هذا العلم لدنيّاً ومن الله تعالى ، ذلك العلم الذي يخص به أنبياءه وأولياءه في الحياة.

حين ينكر أهل البيت (ع) علم الغيب على أنفسهم في بعض الروايات فإنهم يعنون علم الغيب الذاتي المطلق وهم بذلك يضربون حركة الغلو والمغالين ، وحين يثبتونه لأنفسهم كما في بعض الروايات فإنهم يعنون علم الغيب العرضي والجزئي الذي يفاض عليهم من الله.

5.  القول الفصل في المسألة :

 إن الاعتقاد باستقلاليتهم في علم الغيب والكرامات هو عين الشرك ، والاعتقاد بأن ما يعلمونه وما يجري على أيديهم من معاجز وكرامات هو بإذن الله تعالى وهو عين الإيمان ومنطق القرآن.

6.  شعراء وأهل البيت (ع) :

هناك مجموعة من الشعراء عشقوا أهل البيت (ع) وصاغو في مدحهم قصائد خالدة كُتبت بمداد القلب وماء العيون لا يربطهم بأهل البيت (ع) إلاّ الحب الصافي النابع من صفاء النية والولاء النزيه واكتفي بثلاث مقاطع من قصائد مطولة الأول لسني والثاني لمعتزلي والثالث لمسيحي :

عبد الباقي العمري : في مدح  الإمام علي (ع)

أنـت العلي الذي فوق العلى iiرفعا
وأنـت حيدرة الغاب الذي أسدُ iiالبر
وأنـت بـاب تـعالى شأن حارسه
وأنـت ذاك الـبطين الممتلئ حكماً
وأنـت ذاك الـهزبر الأنزع iiالبطل
وأنـت نـقـطـة باءٍ مع iiتوحدها
وأنـت والـحق يا أفضل الأنام iiبه
وأنـت صـنـو نبي غير شرعته
وأنـت زوج ابنة الهادي إلى iiسُننٍ
***
***
***
***
***
***
***
***
***
بـبطن مكة وسط البيت إذ iiوضعا
ج الـسـمـاوي عنه خاسئاً رجعا
بـغير راحة روح القدس ما iiقُرعا
مـعـشارها فلك الأفلاك ما iiوسعا
الـذي بـمـخلبه للشرك قد iiنزعا
بـها جميع الذي في الذكر قد جُمعا
غداً على الحوض حقاً تحشران معا
لـلأنـبـياء إله العرش ما iiشرعا
مـن حاد عنه عداه الرشد iiفانخدعا

عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي : في مدح الإمام علي (ع)

يـا قـالع الباب الذي عن iiهزها
لـولا حـدوثـك قلت أنك iiجاعل
لـولا مـمـاتك قلت أنك iiباسطُ
مـا الـعـالـم العلوي إلا تُربةٌ
أنـا فـي مديحك ألكنُ لا iiأهتدي
أأقـول فـيـك سُـميدعٌ كلاّ iiولا
بـل أنـت في يوم القيامة iiحاكم
ولـقـد جهلت وكنت أحذق iiعالم
وفـقـدتُ معرفتي ولستُ iiبعارفٍ
لـي فـيك معتقدٌ سأكشف iiسرهُ
هـي نفثة المصدور يُطغي iiبردها
يـامـن له في أرض قلبي iiمنزلٌ
أهـواك حتى في حشاشة مهجتي
وتـكـاد نفسي أن تذوب iiصبابةً
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
عـجـزت أكـفٌ أربعون وأربَعُ
الأرواح في الأشباح والمستنـزع
الأرزاق تقدرُ في العطاء iiوتوسعُ
فـيـهـا لجثتك الشريفة مضجع
وأنـا الخطيب الهبرزي iiالمصقع
حـاشـا لمثلك أن يقال iiسُميدع
فـي الـعـالمين وشافع iiومشفّع
أغـرار عـزمك أم حسامك iiأقطع
هـل فضل علمك أم جنابك iiأوسع
فـليصغ أرباب ُ النُهى iiوليسمعوا
حـرُّ الصبابة فاعذلوني أو iiدعوا
نِـعـمَ المراد الرحب iiوالمستربع
نـارٌ شـبّـت على هواك iiوتلذع
خـلـقـاً وطـبعاً لا كمن يتطبع

بولس سلامه الشاعر المسيحي اللبناني :

يـا أمـير الإسلام حسبي فخراً
جـلجل الحق في المسيحي حتى
أنـا من يعشق البطولة iiوالإلهام
فـإذا لـم يـكـن عـلـيٌ iiنبياً
أنـت ربُ الـعـالـمـين iiإلهي
وأنـلـنـي ثـواب ما iiسطَّرت
سـفـر خير الأنام من بعد iiطه
يا سماء اشهدي ويا أرضي قري
***
***
***
***
***
***
***
***
إنـنـي مـنـك مالئٌ iiأصغريَّا
عُـدَّ مـن فـرط حـبه iiعلويا
والـعـدل والـخـلاق iiالرضيا
فـلـقـد كـان خـلـقه iiنبويّا
فـأنـلـهـم حـنـانك iiالأبويّا
كـفـي فـهاج الدمع في iiمقلتيا
مـا رأى الـكـون مـثله آدميا
واخـشـعـي إنني ذكرت iiعليا

فهل يمكن أن نقول عنهم غلاة لأنهم عشقوا أهل البيت وأشادوا بمقاماتهم الجلية ومراتبهم العالية فتبصر أخي قبل أن تقف موقفاً مناوءاً من الشيعة وأنت لم تتطلع على عقائدهم ولم تقرأ كتبهم.

أللهم ألهمنا وإياكم محبة أولياءك الطاهرين والسير على خطاهم والأخذ بهديهم واقتفاء آثارهم يا أرحم الراحمين.


جاروديات : كلمة الجمعة