كلمة الجمعة الموافق 04/ 03 /
1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله تعالى : "
وَذَا
النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ
" (سورة الأنبياء ، آية 87)
نستوحي
من قصة النبي يونس عليه السلام مدى ارتباط المؤمن بالله وخصوصاً عند حصول الشدة
ووقوع البلاء. وكما جاء في الروايات أن يونس مكث في بطن الحوت أربعين يوماً يسبح
لله ويدعوه ويقول : " لَّا
إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ "
فاستجاب الله له دعوته ونجاه من البلاء وأمر الحوت فطرحه في العراء فأنجاه الله من
بطن الحوت والحزن الذي كان يعتريه والظلمات التي كان يعيش فيها وكذلك يفعل الله
بالمؤمنين الذين يقعون في الشدة ويدعونه منيبين إليه. وقد جاء عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم الترغيب في هذا الدعاء الذي دعا به يونس ربه فاستجاب له.
والبلاء
من السنن الجارية في خلق الله وهو نوع من الإمتحان الإلهي للإنسان الذي يتطلب منا
تعميق الملكات الإيمانية في نفوسنا وخصوصاً في مرحلة التسليم المطلق لله بقضائه
وقدره ، وخصوصاً عند المحنة والشدة. ومن أهم هذه الملكات :
1. صلابة الإيمان :
وهي
الصبر وقوة الإرادة وتقوية النفس عند المواجهة وتحمل النتائج المؤلمة والردود
النفسية. ولذا جاء في بعض الأحاديث عن وصف المؤمن بأنه أشد من زبر الحديد حيث يروى
عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : "إن المؤمن أشد من
زبر الحديد ، إن زبر الحديد إذا دخل النار تغير وإن المؤمن لو قتل ثم نشر ثم قتل
لم يتغير قلبه".
وعنه
عليه السلام أيضاً قال : "المؤمن في دينه أشد
من الجبال الراسية".
2. عدالة القضاء الإلهي :
حيث
يؤمن أن ما يلاقيه في عالمه من مسرات ونعيم أو آلام ومتاعب ومنغصات إن هي إلا صفة
فعلية لإظهار عدالة الله.
يروى
عن الإمام الباقر عليه السلام قوله : "أحق خلق الله أن
يسلم لما قضى الله عز وجل ، من عرف الله عز وجل ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء
وعظم الله أجره ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره".
ويروى
أن الإمام الصادق عليه سئل : "بأي شيء علم المؤمن
أنه مؤمن ، قال بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط".
معطيات
الاعتقاد بالقضاء والقدر :
قال
الاستاذ الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي : إن الاعتقاد بالقضاء والقدر الإلهي كما أنه
يعتبر مرحلة دقيقة من معرفة الله ويؤدي إلى تكامل الانسان عقلياً فكذلك له آثار
ومعطيات عملية كثيرة منها :
· أن
من يؤمن بأن حدوث الحوادث خاضع لإرادة الله الحكيمة ومستند إلى التقدير والقضاء
الإلهي لا يخشى الأحداث المؤلمة ولا ينهار أمامها ولا يتملكه الجزع واليأس ، كأنه
حين يعتقد بأن هذه الأحداث تشمل جانباً من نظام العالم الحكيم وتتحقق وفق مصالح
وحكم سيستقبلها بأحضان مفتوحة ليتوصل من خلال هذا الموقف المؤمن إلى ملكات فاضلة ،
أمثال الصبر والتوكل والتسليم وغيرها.
ولذلك لا تشده ولا تخدعه ملذات
الحياة وأفراحها ولا يصيبه الغرور والخيلاء بها ولا يتخذ النعم الإلهية سلماً
للتفاخر والاستعلاء.
إن هذه المعطيات القيمة هي التي
تشير إليها الآية الشريفة "
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا
فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ". (سورة الحديد ، آية 22-23)
وعلينا أن نؤكد على تجنب التفسير
المنحرف لمسألة القضاء والقدر ، فإن التفسير الخاطئ لها ربما يؤدي إلى الكسل
والبطالة والمذلة وقبول الظلم والجور ، والتهرب من المسؤولية ويلزم علينا أن نعلم
أن السعادة أو الشقاء الأبدي للإنسان إنما هو نتيجة أفعاله الاختيارية ، قال تعالى
" لَهَا مَا
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ "
(سورة البقرة ، آية 286). وقال تعالى "
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ". (سورة النجم ،
آية 39)
وللمزيد راجع كتاب دروس في العقيدة
الإسلامية صفحة 184.
· عوامل
المحو والإثبات : هناك مجموعة من العوامل دافعة لوقوع حوادث كان المفروض وقوعها
وهذه العوامل هي عناصر المحو وعدم إيقاعها أو الإثبات بأحدها يجعلها بمثابة عناصر
الإثبات والإمضاء لما كان مترقب الوقوع وأهم ما ورد في الرويات ما يلي :
1. الدعاء
: عن الإمام الصادق عليه السلام : "إن
الدعاء يرد القضاء بعدما أبرم إبراما فأكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ونجاح
ولا ينال ما عند الله عز وجل إلا بالدعاء وإنه ليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يفتح
لصاحبه".
2. صلة
الرحم : عن الباقر عليه السلام قال : "صلة
الرحم تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى وتيسر الحساب وتنسى الأجل
...".
3. الصدقة
: عن الإمام الصادق عليه السلام قال : "الصدقة
باليد تقي ميتة السوء وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء".
إفادة ونصيحة
:
من
الملاحظ في هذه الأيام التعويل على بعض الرؤى والأحلام والتعلق بها وأنها تكشف عن
المغيبات والحوادث المستقبلية ومن ثم العيش في حالة من الإضطراب والقلق والخوف من
المستقبل. وهذا في الحقيقة نوع من ضعف الإيمان بسمألة القضاء والقدر ، وقلة الوعي
الديني.
ونحن
هنا لا ننكر الرؤيا وحقيقتها ، فلها أصولها وثوابتها ويمكن مراجعة الكتب المفصلة.
ولكن
تعطيل الحياة ومستلزماتها بالأحلام مدعاة للسخرية والتهرب من الواقع. وكذلك ما
نلاحظه من نشر بعض الأوراق وتوزيعها وإلزام من يقرأها بكتابتها ونشرها ووضعها على
حافة الطرق والبقالات بما تحمل من أسماء الجلالة والأنبياء مما يؤدي إلى هتك
حرمتها والاستخفاف بالآيات القرآنية ، كل ذلك من المحرمات التي يجب علينا التنديد
بأصحابها وبمن يفعلها ويروجها.
ونصيحتي
لهم أن يقووا عقائدهم من خلال الرجوع إلى أحاديث المعصومين عليهم السلام وأن لا
يتشبثوا بمثل هذه الأمور التي لا تقدم ولا تؤخر في حياتهم وسلوكياتهم.
والآن
أنتقل بحديثي معكم إلى ذكرى وفاة المحقق الكبير فقيه أهل بيت العصمة المقدس الشيخ
يوسف آل عصفور البحراني قدس سره حيث يصادف هذا اليوم ذكرى وفاته.
ولد
الشيخ في قرية الماحوز إحدى قرى البحرين سنة 1107هـ ونشأ في بيت عرف بالعلم
والتقوى ، فوالده أحد علماء البحرين الكبار الشيخ أحمد العصفور.
درس
على يد والده المشار إليه فأخذ منه الدروس الأولية من المبادئ العربية والفقه ودرس
أيضاً عند العلامة الشيخ حسن المحاوزي بالقطيف حيث هاجر إليها عند مهاجمتها من قبل
الخوارج ورجع إلى البحرين بعد أن استقرت الأمور فيها وأكمل دراسته عند أعلامها
الكبار.
هاجر
إلى شيراز واستقر بها مدرساً وإماماً وناهضاً بأعباء الوظائف الشرعية حيث ألقيت
إليه الزعامة الروحية ومقاليدها إلى أن حصلت اضطرابات وحوادث مؤلمة فغادرها إلى
الأماكن المقدسة مجاوراً كربلاء وبقي فيها زعيماً روحياً وتصدى لزعامة التدريس
والفتيا. فهاجر العلماء من شتى البلدان الإسلامية للإستفادة منه والجلوس تحت منبره
الشريف فكان منهم :
1. العلامة الشيخ حسين العصفور قدس سره.
2. العلامة السيد مهدي بحر العلوم قدس سره.
3. المحقق المحقق المولى النراقي قدس سره.
4. أبو القاسم القسمي صاحب القوانين قدس سره.
5. العلامة السيد علي صاحب الرياض قدس سره.
ويكفي
على علو مكانته العلمية كتابه الخالد الحدائق الناضرة الذي يعد من أهم الكتب
الإستدلالية في الفقه الشيعي وغيره من الكتب المفيدة.
توفي
في يوم السبت 4 / 3 / 1186هـ عن عمر ناهز الثمانين ودفن بالحائر الحسيني عند رجلي الشهداء بعد أن صلى عليه الوحيد
البهبهاني. وللتفصيل عن حياته راجع كتاب لؤلؤة البحرين وأعيان الشيعة وأنوار البدرين.