كلمة الجمعة الموافق 27/ 02 /
1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله تعالى : "
لَقَدْ
مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ".
(سورة آل عمران ، آية 164)
مرت
الدعوة الإسلامية في حياة النبي صلى الله عليه وآله منذ بعثته إلى وفاته بثلاث
مراحل :
1. المرحلة الأولى :
اتسمت
الدعوة النبوية فيها بالسرية التامة والحيطة والحذر البالغين لم يفاتح فيها أحد
إلا من ظن أنه سيسمع لها أو يؤمن بها.
وبعد
أن بلغ عدد المعتنقين لها الثلاثين ما بين رجل وإمرأة واختار لهم دار الأرقم بن
أبي الأرقم ليتعاهدهم بين الفينة والأخرى بالوعظ والإرشاد والتعليم والتثقيف والعمل
السري الذي اتبعه الرسول (ص) في دعوته حيث أراد به ضمان أمرين :
الأول : عدم تعريض الطليعة
المؤمنة لأي عمل يشل الحركة ويفك ارتباطها ومن ثم يدفعها إلى التشرذم والضياع.
الثاني : ترقب العدد الكافي من
المؤمنين بالرسالة لكي تتحمل مسؤوليتها في التغيير الإصلاحي بجدارة وإيمان.
وقد
استمرت هذه المرحلة ثلاث سنوات إلى أن أمره الله عز وجل بإظهار دينه بقوله "
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
" (سورة الحجر ، آية 94).
2. المرحلة الثانية :
توجيه الدعوة إلى
الآخرين من أهل بيته وعشيرته باعتناق الإسلام ففشى أمره وذاع خبره في قريش. وما
كان جوابهم إلا أن قابلوه بصنوف الإيداء والتنكيل والتعنيف. وهكذا شأن أصحابه فقد
تجرع كل واحد منهم أصناف العذاب والتنكيل. وقد دفعه هذا الموقف إلى محاولة
الإنتقال بالدعوة إلى الطائف طلباً للنصرة من قبيلة ثقيف لكنه لم يجد في زعمائها آذاناً
صاغية ولا صدراً رحباً.
إلى أن حوصر في
الشعاب مع عمه أبي طالب ومن آمن به من الناس وأهل بيته ، وكتبت قريش صحيفة تعاهد
القبائل بمقاطعة بني هاشم ومحاصرتهم في الشعاب واستمر الوضع بهذه الحالة إلى أن
بعث الله دودة أكلت صحيفتهم ولم يبقى فيها إلا أسم الجلالة ، فأخبر النبي عمه بذلك
وجاء أبو طالب ليخبر قريش بذلك الإعجاز الإلهي ، ولكنهم لم يصدقوه حتى شاهدوا تلك
الحقيقة بأم أعينهم واستمروا مع ذلك بالحصار حتى مات ناصر الإسلام وصاحبه أبو طالب
رضوان الله تعالى عليه ثم ماتت خديجة عليها السلام فاشتد الحصار بعد وفاة أبي طالب
وأشتد أيضا إيداء النبي (ص) إى أن أتت بيعة العقبة الأولى مع أهل يثرب – وكانوا
ستة – فأوضح لهم معالم الدين وأسس مبادئه وأهدافه وأخذ منهم البيعة على نصرته
ومؤازرته – حتى أقبل العام الثاني – وتمت البيعة الثانية وكانوا إثنا عشر رجلاً من
اليثربيين حتى أقبل العام الثالث في موسم الحج أيضاً وكانوا ثلاثة وسبعون رجلاً
وامرأتان حتى شكل النواة الأولى للدعوة الإسلامية في المدينة فهاجر إليها تاركاً
قريش وطغيانها.
3. المرحلة الثالثة :
هي انطلاقة
الدعوة الإسلامية إلى العالم من أرض الإسلام إلى العالم من أرض الإسلام وداره يثرب
التي هاجر إليها النبي واستقر فيها وأقبل على أقامة مجتمع إسلامي راسخ متلاحم
واستلم فيها زمام الحكم ليأسس ذلك المجتمع الرباني الجديد وليضع موازين الحكم
الإلهي بكل ما يرتبط بالحكم من شؤون السياسة والإقتصاد والإدارة والقضاء وما يرجع
إلى ذلك. وتوجت هذه المرحلة تاريخها الحافل بالأحداث والإنتصارات بفتح مكة وتطهير
المسجد الحرام من دنس الأوثان ورجس الأزلام والأصنام.
من خلال هذه
القراءة البسيطة لتلك المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية نستوحي عظم المسؤولية
الجسيمة التي تحملها رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل تبليغ الرسالة السماوية
وما تحمله من مظامين وقيم سماوية لانتشال الإنسانية من الجهل والظلال إلى النور
والهداية.
ولندع أمير
المؤمنين عليه السلام يحدثنا عن تلك الحقبة الزمنية التي بعث فيها النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فيقول : "فبعث الله محمداً بالحق
ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته بقرآن قد
بينه وأحكمه ليعلم العباد ربهم إذا جهلوه وليقروا به إذا جحدوه وليثبتوه بعد إذ
أنكروه ...".
وقال أيضاً : "إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً
للعالمين وأميناً على التنزيل وأنتم معاشر العرب على شر دين وفي شر دار ..."
إلى أن يقول " وتسفكون دمائكم وتقطعون أرحامكم ،
الأصنام فيكم منصوبة والأنام بكم معصوبة ...".
بعد هذا الجهاد
العظيم الذي قدمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أجل إقامة هذا الدين الإلهي ،
نحتاج أن نراجع أنفسنا جلياً لنقول : ما هو واجب الأمة اتجاه النبي ورسالته
الإلهية؟. هل نتناسى هذه التضحية ، ونتغافل عن رسالة الإسلام في كتابه المعصوم وفي
سننه القويمة الصحيحة.
أم ننطلق مع
النبي صلى الله عليه وآله الذي "لا يزال صادقاً في قوله حكيماً في تشريعه ،
لم يذهب بصدقه الدهر ولم تخل من تشريعه الحكمة ولم تتغير فيه وجوه المصلحة ، ولا
يزال مبدأ محمد هو المبدأ الحق في أمره وزجره وفي أخذه ورده ، ولا يزال دين
محمد هو الدين القيم الحنيف الذي لا
إسراف فيه ولا تقصير ولا أمت ولا عوج "
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ
تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "
(سورة الأنعام ، آية 153)" (كتاب الإسلام ، الشيخ محمد أمين زين
الدين).