كلمة الجمعة الموافق 20/ 02 /
1423هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
يأتي
تشريع الزيارة في صدارة الأهداف التي استهدفها أئمة الحق عليه السلام من أجل تخليد
واقعة الطف وربط الأمة بحادثة كربلاء التي جسد الإمام الحسين عليه السلام فيها
قضية الإسلام ومبائه وذلك من أجل تحقيق بعدين مهمين :
1. الولاء :
حيث
أن معركة الطف التاريخية تتطلب من الأمة المؤمنة مواقف واضحة وجدية تحدد مسألة
الإنتماء والولاء حتى بعد إنتهاء الواقعة. والزيارة من أروع الوسائل التي تحدد
إنتماء المواقف وإشهار الولاء عند الوقوف على مرقد الوالي.
والزيارة تحمل ثلاثة مضامين تعتبر من أهم ركائز الولاء :
الأول : التسليم :
"السلام
عليك يا وارث أدم صفوة الله"، "السلام
عليك يا بن محمد المصطفى" ، "السلام
عليك يا ثار الله وابن ثاره".
فالتسليم
من أهم عناصر الولاء حيث يعبر عن وحدة الولاء والبراءة ووراثة الحسين عليه السلام
للأنبياء وربط الولاء للحسين وأهل بيته وأصحابه بالولاء للأنبياء ، وربط قيم
عاشوراء بالقيم الموروثة من تاريخ الإنبياء ، ولعل التسليم على الحسين في الزيارة
بصفته وارث الأنبياء عليهم السلام هو للإشارة إلى هذه الحقيقة.
الثاني : الشهادة للإمام الحسين عليه السلام بإقامة الصلاة
وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
"أشهد
أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله
ورسوله حتى أتاك اليقين" ، والشهادة له بالطهر
والنزاهة من كل أثم وذنب والعصمة من من كل خطأ وزلل وعصيان "أشهد
أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة ، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها
ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها". الشهادة بموقع الحسين من
حياة الأمة وما آتاه الله من الإمامة والولاية على المسلمين "أشهد
أنك من دعائم الدين وأركان المؤمنين وأشهد أنك الإمام البر التقي الرضي الزكي
الهادي المهدي وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعروة الوثقى
والحجة على أهل الدنيا".
الثالث : الموقف :
وهو تحديد التبعية والإنقياد والتسليم
المطلق للإمام المعصوم "إني سلم لمن سالمكم
وحرب لمن حاربكم وولي لمن والاكم وعدو لمن عاداكم إلى يوم القيامة"
وهذا التسليم المطلق هو أول مصاديق الولاء مما يعبر عن الثقة المطلقة والتبعية
الكاملة في مقام العمل.
2.
توثيق
الإرتباط
حيث
أن الزيارة تربط الإنسان وتشده إلى الماضي العريق بما فيه من موروثات تاريخية
وحضارية فيعمق الصلة بالأنبياء والأئمة الهدات الميامين من خلال الوقوف على
مراقدهم الطاهرة حتى ورد في تفسير قوله تعالى "وَيَقْطَعُونَ
مَا أَمَرَ اللَّهُ بَهَ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ" (سورة البقرة ،
الآية 27)
هو قطع الصلة بالأنبياء.
ومن
هنا تأتي قيمة زيارة الأنبياء والأئمة عليهم السلام بعد وفاتهم ومخاطبتهم بالنصوص
الورادة في الزيارات فإن السعي لزيارة الأنبياء والأئمة عليهم السلام يعمق في نفس
الإنسان الإحساس بالإرتباط بهم باستمرار كما أن إحياء مناسباتهم يؤدي دوراً فاعلاً
في تحقيق هذه الصلاة الروحية بين الإنسان المؤمن وهذه المسيرة الحضارية الربانية
المباركة.
ولهذا
تؤكد النصوص على زيارة الحسين عليه السلام في مناسبات عديدة كالنصف من رجب والنصف
من شعبان وليالي القدر وليالي العيد وأيامه وليلة عرفة ويومها وليلة عاشوراء
ويومها ويوم الأربعين وغيرها من المناسبات حيث أن الإمام الحسين يحتل الموقع
الحساس في معركة الإسلام المصيرية بين الحق والباطل. ولأجل تعميق الصلة فينا
بالموقف الحسيني الصلب في كربلاء ولأن قضية الحسين هي قضية الأمة الأولى التي حمل
مبادئها في كربلاء واستنصر المسلمين من أجلها والروايات في فضل زيارته عليه السلام
كثيرة نذكر منها ما يلي :
عن
الصادق عليه السلام قال : "إذا زرت أبا
عبدالله عليه السلام فزره وأنت حزين مكروب أشعث مغبر جائع عطشان فإن الحسين عليه
السلام قتل حزيناً مكروباً أشعثاً مغبراً جائعاً عطشان واسأله الحوائج وانصرف عنه
...".
عن
الصادق عليه السلام : "من أتى قبر الحسين
صلوات الله وسلامه عليه ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحى عنه ألف سيئة
ورفع له ألف درجة فإذا أتيت الفراش فاغتسل وعلق نعليك وامش حافياً ومشي مشي
الذليل".
وفي
الحديث المعتبر عن معاوية بن وهب قال : "استأذنت على أبي
عبدالله عليه السلام فقيل لي : ادخل ، فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته ، فجلست حتى
قضى صلاته فسمعته يناجي ربه وهو يقول :
يا
من خصنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة وخصنا بالوصية وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي
وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا إغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي الحسين ، الذين
أنفقوا أموالهم ، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ، ورجاءً لما عندك في صلتنا ،
وسروراً أدخلوه على نبيك ، وإجابة منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدونا ، أرادوا
بذلك رضاك ، فكافئهم عنا بالرضوان وأكلأهم بالليل والنهار ، واخلف على أهاليهم
وأولادهم الذين خلفو بأحسن الخلف ، واصحبهم ، واكفهم غربتهم عن أوطانهم ، وما
آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم.
اللهم
إن أعدائنا عابو عليهم بخروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من
خالفنا. فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة
أبي عبدالله الحسين عليه السلام وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم
تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهم إني استودعك تلك الأبدان وتلك
الأنفس حتى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر.
فمازال
يدعو وهو ساجد بهذا الدعاء فلما انصرف قلت : جعلت فداك لو أن هذا الذي سمعت منك
كان لمن لا يعرف الله عز وجل لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً أبداً ، والله لقد
تمنيت أني كنت زرته ولم أحج.
فقال
لي : ما أقربك منه؟! فما الذي يمنعك من زيارته؟ يا معاوية لم تدع ذلك؟
فقلت
: جعلت فداك! لم أرَ أن الأمر يبلغ هذا كله!
فقال
: يا معاوية ، من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض".
ومن
أروع القيم التي تجسدها الزيارة : أن الأجيال اللاحقة ترث المواريث الحضارية عن
الأجيال السابقة وتشاركها أيضاً في ثواب معاناتها وعنائها الطويل مع صراع الكفر
والنفاق لإقامة الفرائض الإلهية ، يأتي ذلك في حوار عطية العوفي مع جابر بن
عبدالله الأنصاري عند زيارة الإمام
الحسين عندما قال جابر : والذي بعث محمداً بالحق نبياً لقد شاركناكم فيما
دخلتم فيه.
فقال
عطيه : كيف ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف والقوم قد فرق بين رؤسهم
وأبدانهم ويتمت أولادهم ورملت أزواجهم.
فقال
: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من أحب عمل قومٍ حشر
معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالحق أن
نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه.
"السلام
على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين".