كلمة الجمعة الموافق 29/ 01 / 1423هـ في مصلى مقبرة
الجارودية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله
تعالى :(
إنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ
تَطْهِيْراً *﴾. (سورة الأحزاب آية 27)
1. تخليداً لذكرى استشهاد أبي محمد الحسن بن علي بن
أبي طالب عليه السلام :
نقف وإياكم
على شذرات منيرة من حياته الكريمة وسيرته العبقة لنتزود من معالم شخصيته العظيمة
ومناقبه الرفيعة ، فهو سليل النبوة وغصن الرسالة وأحد الأئمة العظام الذين خلدهم
التاريخ بصفحاته البيضاء المشرقة الناصعة .
قال الإمام
الصادق - عليه السلام - : "حدثني أبي عن أبيه عليه
السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - كان أعبدالناس في زمانه
وأزهدهم وأفضلهم ، وكان إذا حج حجَّ ماشياً ، وربما مشى حافياً ، وكان إذا ذكر
الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على
الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض علىالله - تعالى ذكره - شهق شهقة يغشى عليه منها ،
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي الله عز وجل ، وكان إذا ذكر الجنة
والنار اضطرب اضطراب السليم ، ويسأل الله الجنة ، ويعوذ به من النار ، وكان - عليه
السلام - لا يقرأ من كتاب لله عز وجل " يَاْ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... " إلاَّ قال لبيك اللهم لبيك ، ولم ير في شيء من أحواله
إلا ذاكراً لله سبحانه ، وكان أصدق الناس لهجةً وأصدقهم منطقاً".
2. سيريه :
كانت سيرته
- عليه السلام - سيرة جده وأبيه - عليهما السلام - في الصفح عن المسيء والعفو عند
المقدرة وما أحوج الأمة اليوم إلى تبني هذه السيرة والسير في هذا الطريق. ومما جاء
في سيرته : "أن شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه
والحسن - عليه السلام - لا يرد عليه ، فلما فرغ ، أقبل الحسن - عليه السلام - عليه
وضحك وقال : أيها الشيخ. أظنك غريباً ولعلك شبهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو
سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استعملتنا حملناك ، وإن كنت محتاجاً
أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك
إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأن لنا موضعاً رحباً وجاهاً
عريضاً ومالاً كبيراً ، فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في
أرضه والله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليَّ والآن أنت
أحب خلق الله إليَّ ...".
3. أخلاقه :
ومن المثل
العليا التي تخلَّق بها أبو محمد الحسن - عليه السلام - البذل والعطاء والإحسان
والكرم فأياديه البيضاء شاهدة على الأمة ، حيث تجلت هذه المثل بأجلى مظاهرها وأسمى
معانيها في خلقه الكريم ، حيث ورد أنه قاسم الله ماله ثلاث مرات يعطي نعلاً ويمسك
نعلاً ، وخرج من ماله لله تعالى مرتين ، وأنه حج َّ خمساً وعشرين حجةً ماشياً ،
وأن النجائب لتقاد معه ، وإن البذل والسخاء من سمات هذا البيت الطاهر ومن أخلاقهم
العليا . قال تعالى "وَيُطْعِمُوْنَ الْطَعَامَ
عَلَىْ حُبِّهِ مِسْكِيْناً وَيَتِيْماً وَأَسِيْرَاً إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاْ نُرِيْدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوْراً"
.(سورة
الإنسان الآية 9)
4. عطاء الإمام :
لم يدخر
الإمام الحسن - عليه السلام - وسعاً من أجل هذا الدين إلا قدمه ، من أجل الحفاظ
على كيانه واستمراريته حتى قاسى المحن والشدائد ، وكابد الأهوال والمصائب ، وخذله
العدو والصديق ، ونقض أهل الكوفة بيعته - عليه السلام - حتى اضطر للمهادنة مع أهل
الشام ومعاوية ،ليسلم هذا الدين ولتحقن الدماء وتحفظ الحرمات ، وهو الإمام العارف
بمصالح هذه الأمة والأدرى بتشخيص الضرورات وترجح المقتضيات . لقد استفادت الأمة من
علومه ومناقبه فكانت ترجع إليه لأخذ معالم دينها وتستقي من جنباته ما ينفعها من
دنياها وآخرتها .
دخل عليه
جنادة بن أبي أمية في مرضه الذي توفي فيه فقال : عظني
يابن رسول الله .
قال
: نعم . استعد لسفرك وحصل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت
يطلبك ، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ، واعلم أنك لا
تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك ، واعلم أن الدنيا في
حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة ،
خذ منها ما يكفيك ، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيها ، وإن كان حراماً لم يكن فيه
وزر ، فأخذت منه كما أخذت من الميتة ، وإن كان العتاب فالعتاب يسير ، واعمل لدنياك
كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة
بلا سلطان ، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل ؛ وإذا نازعتك إلى
صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك ، وإذا خدمته صانك ، وإذا أردت معونته
أعانك ، وإن قلت صدَّق قولك ، وإن صلت شدَّ صولك ، وإن مددت يدك بفضل مدها ، وإن
بدت منك ثلمة سدها ، وإن رأى منك حسنةً عدها ، وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه
ابتداك ، وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك ، من لا يأتيك منه البوائق ، ولا تختلف
عليك منه الطرائق ، ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن تنازعتما منقسماً آثرك.
5. شهادته :
استشهد -
عليه السلام - سنة 50 للهجرة النبوية ، ودفن في بقيع الغرقد ، فوقف على قبره أخوه
محمد بن الحنفية ( رض ) باكياً مؤبناً وقال : رحمك الله يا أبا محمد ، لئن عزت
حياتك لقد هدت وفاتك ، ونعن الروح روح عمر به بدنك ، ولنعم البدن بدن نضمه كفنك ،
كيف لا وأنت سليل الهدى ، وحليف التقى ، خامس أهل الكساء ، ربيت في حجر الإسلام
ورضعت من ثدي الإيمان ولك السوابق العظمى والغايات القصوى ، وبك أصلح الله بين
فئتين عظيمتين من المسلمين ، ولمَّ بك شعث الدين ، فعليك السلام فلقد طبت حياً
وميتاً وأنشد يقول :
أأدهـن رأسي أم تطيب iiمجالسي بـكـائي طويل والدموع غزيرة غـريب وأطراف البيوت iiتحوطه سـأبكيك ما ناحت حمامة iiأيكة ولـيـس حريباً من أصيب iiبماله | *** *** *** *** *** | وخـدك مـعـفورٌ وأنت iiسليب وأنـت بـعـيـد والمزار iiقريب ألا كـل من تحت التراب iiغريب وما اخضر في دوح الحجاز قضيب ولـكـن من وارى أخاه iiحريب |
وصلى الله
على محمد وآله الطاهرين .