كلمة الجمعة الموافق 08 / 01 / 1423هـ في مصلى مقبرة الجارودية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الإمام الحسين (ع) : "من
لحق بي استشهد ، ومن لم يلحق بي لم يبلغ الفتح".
لنهضة الإمام الحسين (ع)
هدفان :
1.
الهدف
السياسي :
هو إلغاء شرعية الخلافة الأموية وفضح يزيد وكسر هيبته وعزله سياسياً
واجتماعياً وإسقاط تلك الحكومة التي هيمنت على مقدرات المسلمين ووصلت إلى الخلافة
عن طريق سفك الدماء وإغراء بعض الضمائر الميتة بالأموال والمناصب.
2.
الهدف
الحركي :
وهو توعية الناس وكسر حاجز الخوف وتحريك الناس وإثارتهم لإسقاط
الطاغية واستنهاض الأمة وإعادة إرادتها المسلمة به والدعوة إلى الإصلاح والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر . وخاطب الناس بقوله : "أيها الناس إن رسول
الله صلى الله عليه وآله قال : "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده مخالفاً
لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان
حقاً على الله أن يدخله مدخله"".
فاستجابت له القلة الواعية والطليعة المؤمنة من أبناء الأمة التي تعيش آلام
المجتمع وآماله وتقف على كل ما يهدد الإنسان المسلم في عقيدته وسلوكه فاندفعوا
للثورة بمجرد أن سمعوا بها وعرفوا قيادتها الإسلامية الفذة التي تمثلت بسيد شباب
أهل الجنة الحسين بن علي (ع).
إن
أنصار الحسين بموقفهم التاريخي الرسالي أثبتوا للعالم أنهم أكفأ الأنصار وأشدهم
إيماناً بقضيتهم ، لقد برهنوا بمواقفهم الشجاعة عن قناعة تامة بعدالة السبيل التي
ينتهجونها ، إنهم على يقين بهدف الجهاد الذي اختاره الحسين له ولهم وهم على علم
بالنتائج المرتقبة التي تسفر عنها المعركة من القتل والشهادة ، ومع هذا تلقوا كل
ذلك برحابة صدر وثبات ويقين.
لقد
ألقى الإمام الحسين الحجة على كل من التقى به ودعاهم لنصرته والدفاع عن الإسلام
ومقدراته ، فمنهم من استجاب ومنهم من تخاذل وتخلف .
وإليك بعض النماذج:
عبيد الله بن الحر الجعفي :
التقى
به الإمام الحسين ( ع) في قصر بني مقاتل ودعاه لنصرته والفوز بالشهادة حيث قال له
: يابن
الحر إن أهل مصركم قد كتبوا إلي أنهم مجتمعون على نصرتي وسألوني القدوم عليهم وليس
الأمر على ما زعموا وإن عليك ذنوباً كثيرة فهل لك من توبة تمحي به ذنوبك ؟ فقال : ما هي يابن رسول الله
؟ فقال: تنصر ابن بنت نبيك
وتقاتل معه.
فقال ابن
الحر : والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة ، ولكن ما عسى أن أغني
عنك ولم أخلف لك في الكوفة ناصراً ، فأنشدك الله أن لا تحملني على هذه الخطة ، فإن
نفسي لا تسمح بالموت ولكن فرسي هذه "الملحقة" والله ما طلبت عليها شيئاً
إلا لحقته ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا سبقته فخذها فهي لك. فقال الحسين (ع) : أما إذا
رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا بفرسك ولا فيك ، وما كنت متخذ المضلين عضدا وني أنصحك
كما نصحتني ، إن استطعت أن لا تسمع صرختنا ولا تشهد وقعتنا فافعل ، فوالله لا يسمع
واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم. وندم ابن الحر على ما فاته
من نصرة الحسين (ع) فكان يردد هذه الأبيات حتى مات:
أيـالـك حـسرة ما دمت iiحيا غـداة تقول لي بالقصر iiقولاً حسين حين يطلب بذل نصري ولـو واسـيـته يوما iiبنفسي مـع ابـن محمد تفديه iiنفسي لـقد فاز الألى نصروا iiحسيناً تـردد بـين صدري والتراقي أتـتـركـنـا وتعزم iiبالفراق عـلـى أهل العداوة iiوالشقاق لـنـلـت كـرامة يوم التلاق تـودع ثـم أسـرع iiبانطلاق وخـاب الآخرون ذوو iiالنفاق |
& الضحاك بن عبد الله المشرفي :
من
النماذج الأخرى المتخلفين عن نصر الحسين (ع) ، رافق الحسين إلى ساحة المعركة ودخل
المعركة معه وقاتل قتال الأبطال وأبلى بلاء حسناً في القتال ، استحسنه الإمام
ولكنه اشترط على الإمام عليه السلام منذ أن التحق به أن يجعله في حل منه إذا دارت
دائرة الحرب عليه ولم يعد ينفعه قتاله ودفاعه عنه ، فلما رأى أن المعركة دارت على
الحسين (ع) ووجد أن الحسين وأهل بيته وأصحابه لا محالة مقتولين ولم يعد ينفع
الحسين قتاله ودفاعه استأذن الحسين أن يترك ساحة القتال وينجو بنفسه فأذن له
الحسين كما وعده من قبل فهرب الضحاك المشرفي بنفسه من ساحة المعركة وترك الإمام
ومن معه.
وبعد
الوقوف على هذين النموذجين من المتخلفين عن نصر الإمام الحسين نقف على نموذج من
نماذج الوعي والصدق والثبات ، وموقف من مواقف العزة والكرامة والتضحية إنه :
& زهير بن القين رضي الله تعالى عنه:
فقد كان عثماني الهوى ولم يكن يهوى آل
محمد ( ص) وقد حج البيت عام 60هـ وكان يساير الحسين (ع) في الطريق إلى العراق إلا
أنه كان يحرص أن لا ينزل بالقرب من خيام الحسين (ع) مخافة الاجتماع به ،حتى انتهت
قافلة الإمام الحسين (ع) إلى زرود فلم يجد زهير بدا من أن ينزل بخيامه بالقرب من
خيام الإمام الحسين فأرسل له الإمام الحسين رسولا يدعوه مع صحبه فلم يستجب ،
فأنكرت عليه زوجه ( دلهم ) وقالت : "سبحان الله يبعث إليك ابن بنت رسول الله ثم لا تأتيه ، لو
أتيته فسمعت كلامه …" فانطلق زهير على كراهة منه للإمام فلم يلبث أن عاد مسرعاً وقد تهلل
وجهه وامتلأ غبطة وسروراً ثمَّ أمر بفسطاطه وما كان عنده من ثقل ومتاع فحوله إلى
خيام الإمام وقال لزوجته : أنتِ طالق . وقال لأصحابه سأحدثكم حديثاً : غزونا "بلنجر" من
بلاد الترك ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا
: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من غنائم ؟ فقلنا : نعم .فقال : إذا أدركتم
سيد شباب آل محمد (ص) فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم. فينقلب زهير ويتقلب هواه
من بني أمية إلى آل علي ( ع) بما ذكره الحسين وأسره له من حديث سلمان الفارسي وما
انطوى عليه من مغيبات أدركها زهير ببصيرته. وزهير هو صاحب الكلمة المشهورة ليلة
العاشر من المحرم عندما قال الإمام الحسين (ع) : "هذا الليل غشيكم
فاتخذوه جملا فإن القوم إنما يطلبونني ولو أصابوني لذهلوا عن غيري".
قال زهير : "والله
لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف مرة وإن الله يدفع بذلك القتل عن
نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك".
فشتان
بين النموذجين الأولين المتخاذلين الخائفين والحريصين على الدنيا وبين الثالث الذي
يندفع إلى المعركة مؤمناً بعدالتها وضرورتها وأنها الفاصل بين الحق والباطل.