كلمة الجمعة الموافق 16 / 12 / 1422هـ في مصلى مقبرة الجارودية
لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
قال
الله تعالى : "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من
ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم
الكافرين". (سورة المائدة الآية رقم 67)
نستقبل
وإياكم عيد الغدير الأغر لنجدد البيعة فيه إلى ولي الله الأعظم أمير المؤمنين
صلوات الله وسلامه عليه ، سائلين المولى أن يعيده على الأمة الإسلامية باليمن والبركة وهي تحمل رايات
النصر والغلبة على أعداء الدين إله الحق آمين.
حديث الغدير :
عن
زيد بن أرقم قال : أقبل النبي (ص) في حجة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة
والمدينة ، فأمر بالدوحات فقمّ ما تحتهن من شوك ، ثم نادى الصلاة جامعة ، فخرجنا
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم شديد الحر وإن منا من يضع رداءه على
رأسه وبعض قدميه من شدة الرمضاء ، حتى أتينا إلى رسول الله فصلى بنا الظهر ثم انصرف إلينا فقال : الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن ضل ولا مضل لمن هدى ،
وأشهد أن لا إله إلى الله وأن محمد عبده ورسوله.
أما بعد ، أيها الناس : فإنه لم يكن لنبي من العمر إلا النصف من عمر
الذي قبله وأن عيسى بن مريم لبث في قومه أربعين سنة وأني شرعت في العشرين ألا وأني
يوشك أن أفارقكم ، ألا وأني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فهل بلغتكم فما أنتم قائلون.
فقام من كل ناحية من القوم مجيب يقول : نشهد أنك عبدالله ورسوله قد
بلغت رسالته ، وجاهدت في سبيله وصدعت بأمره وعبدته حتى أتاك اليقين جزاك الله خير
ما جزى نبياً عن أمته.
فقال ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمد عبده ورسوله ، وأن
الجنة حق وأن النار حق وتؤمنون بالكتاب كله؟.
قالوا بلى.
قال : فإني أشهد أن قد صدقتموني ، ألا وإني فرطكم وأنتم تبعي توشكون
أن تردوا علي الحوض ، فأسألكم حين تلقوني عن الثقلين كيف خلفتموني فيهما ، حتى قام رجل من المهاجرين فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما
الثقلان.
قال الأكبر منهما كتاب الله ، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم ،
تمسكوا به ولا تولوا ولا تضلوا والأصغر منهما عترتي من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي
فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم فإني قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني
، ناصرهما لي ناصر وخاذلهما لي خاذل ووليهما لي ولي وعدوهما لي عدو ألا فإنها لا
تهلك أمة قبلكم حتى تدين بأصدائها وتظاهر على نبوتها وتقتل من قام بالقسط. ثم أخذ
صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي بن
أبي طالب ورفعها فقال :
من كنت وليه فهذا وليه اللهم والي من والاه وعاد من عاداه. قالها
ثلاثا". (كتاب الغدير ج1)
نستوحي
من حديث الغدير أن الولاية من الأركان الأولى لوجود الإسلام وركيزة من ركائزه
الثانية التي لا يمكن أن ينهض له كيان بدونها وبدون ولها العظيم.
ومن
المستحيل أن يستغني الإسلام عن هذه الولاية في أي حال من الأحوال ، فالقرآن حين
أناط وجود رسالة النبي (ص) بولاية الإمام علي وحين جعلها إكمالاً لدين الله سبحانه
وتعالى وأتم بها نعمته على العباد وأعلن بها رضاه بالإسلام ديناً للبشرية كان لا
بد أن تكون الولاية هي الوفاء الأتم لهذه الأدوار والمواقع والمهمات كافة.
فالرسول
(ص) حينما جمع بين ولايته هو صلى الله عليه وآله والتي جعلها الله تعالى له وولاية
الإمام علي عليه السلام كان يعني أن كلتا الولايتين ينبعان من مصدر واحد ويجريان
في خط واحد نحو منصب واحد لا غنى لأحدهما عن الآخر ، فيهما معاً تتكامل أدوار
الرسول صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام ، وبهما معاً تتضح معالم هدي
الله سبحانه وتعالى وبيناته.
للولاية بعدان :
الأول : أن الولاية مظهر من مظاهر رحمة الله
بالعباد ورعايته لهم وهي من تجليات اللطف الإلهي بالإنسان وهي القاعدة التي أقيم
عليها الإسلام وكيانه. إذاً هي منتسبة في جميع ثوابتها إلى الله جل وعلى.
الثاني : أنها منصب إنساني كالرسالة لا بد أن
تسند في وجودها ومهماتها إلى شخص من الناس حيث يستحيل تحققها بدونه.
ولكن
الفارق بينها وبين المناصب العامة أن الولاية اصطفاء إلهي اقتضته حكمة الله تعالى
المطلقة. وأن فيها اختياراً اعتمده اللطف الرباني وأن هناك ارتضاءً من الرحمة الواسعة ذات العلم
المحيط. ومن هنا تتجلى رعاية الله لهذا المنصب الإلهي لشخصية الولي وهو يجسد حقائق
الإسلام في وجوده وحياته وفي كل موقف يصدر منه ، وفي مسؤولية الأمة إزاءها وإزاء
وليها ، وفي أي شأن من شؤونها الأخرى الخاصة والعامة.
ورعاية الله للولاية الإسلامية في جهتين :
الأولى : عصمتها من الناس : "والله يعصمك من الناس". فهو تعهد من رباني
لا بد من الوفاء به ووعد قطعه الله على نفسه المقدسة بضمان العصمة للرسول من الناس
في إعلانه للولاية في غدير خم وكذلك رعاية خاصة لوليها العظيم رغم عواتي الزمن
والتي ستستمر مع الولاية منذ نزول الأمر وحتى الزمن الأخير من حياة الإنسان على
هذه الأرض.
إن
الله وفى لرسوله في تعهده له من
العصمة وأنه قد استجاب له دعائه أكلم استجابة "اللهم
والي من والاه وعادي من عاده" سواءً في استقامة الولاية ذاتها مع نهج الإسلام أو استقامة حياتهم
مع الحق ودلائله ، فلا زيغ ولا انحراف ولا خطأ ولا نسيان يمكن أن ينفد منه
المتطاولون على قدس الرسالة أو الرسول أو في قيام الحجة الإلهية بهذه الولاية وذود
الله عز وجل عنها نيل النائلين وكيد الكائدين وإمداده إياها رغم ما بذله الجاهدون
من جهد ووصفه الواصفون في مسارها من عقبات وشبهات.
الثانية : الرعاية الاصطفائية للولي بمعنى أن لله
صفات خاصة لنخبة من الناس اقتضتها فيهم حكمة اصطفاء الله لهم والتزامه إياهم أمثلة
شاخصة. لهذا فهي مما يستحيل على أحد من الناس بلوغ كنهها أو الإحاطة بحدودها أم
مجاريها ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : "إن
الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه وجعلنا مع
القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا". (أصول الكافي)
فلا
يخفى ما في هذه السمات والملامح العليا من إعجاز أسمى من أن يستطيع أحد من الناس
الوصول إليه.
اللهم
ألهمنا محبتك ومحبة أوليائك الطاهرين.