جاروديات : كلمة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الجمعة الموافق 13 / 10 / 1422هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي  المعلم  حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه". (سورة الحجرات ، الآية 12).

اهتم الإسلام بالكلمة بالغ الأهمية باعتبارها الأداة المعبرة عن الفكر الإنساني والرسول الناطق بلسانه إذ ليست الأفكار والمفاهيم إلى عالماً من الصور التي ينتهجها التفكير.

ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحقائق وعبر عنها أدق التعابير حيث سمى النطق بالكلمة بياناً ، قال تعالى : "الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان". فالبيان هو الكشف والإعلان والتعبير عن المحتوى والمضمون الذي يحمله الإنسان في نفسه وفكره.

أقسام الكلمة :

1.الكلمة الطيبة : قال الله تعالى : "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون". (سورة إبراهيم ، الآية رقم 24 ، 25).

2.الكلمة الخبيثة : قال الله تعالى : "ومثل كلمة خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء". (سورة إبراهيم ، الآية رقم 26، 27).

فالتصوير البياني في هاتين الآيتين بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة بالتشبيه بالشجرة المثمرة الراسخة الأصل والجذور في عمق الأرض الممتدة إلى آفاق السماء. ويراد من هذا التشبيه تصور الإسلام لأهداف الكلمة وآثارها الحقيقية ونتائجها الإيجابية التي يمكن أن تتركها في حياة الإنسان. فالقرآن يريد أن يجعل من الكلمة مصدراً للخير والعطاء والإصلاح والبناء ، الكلمة الطيبة التي تقع في نفس الضال فتهديه والمحزون فتسليه والخائف فتطمئنه والفاسد فتصلحه والجاهل فتعلمه ….. الخ.

أما إذا كانت الكلمة مصدراً  للفساد والخراب ومعولاً هداماً للحياة البشرية فهي الكلمة الخبيثة التي يسعى الإسلام إلى اجتثاث جذورها وقلع أصولها ودوافعها النفسية والفكرية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله : "يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول ربي عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا ، فيقال له : خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام وهتك بها الفرج الحرام وعزتي وجلالي لأعذبنك بعذابٍ لا أعذب به شيئاً من الجوارح". (المصدر : أصول الكافي ، ج2 ص115).

لقد دعا الإسلام إلى تنزيه الكلمة من الشذوذ والانحراف وحماية المجتمع وأفراده من أخطارها وآثارها السيئة من أجل الحفاظ على كرامة الناس من البهتان والإشاعات والأضاليل وحماية الأفراد والجماعات من ألسن السوء ووقايتهم من أن يكونوا ضحايا الانحراف الأخلاقي الذي تعاني منه فئة شادة ومغرضة في المجتمع ، قال الله تعالى : "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم". (سورة النور ، الآية رقم 15). وقال تعالى : "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون". (سورة النور ، الآية رقم 19). ففي هذا النص القرآني تحذير لؤلئك الفئة المخربة في المجتمع من الوعد والوعيد بالعقاب والمسئولية يوم القيامة بل أيضاً العقاب الدنيوي حيث شرع المشرع الكريم عقوبة قانونية على هذه الجناية الأخلاقية التي تستهدف النيل من كرامة الأفراد والعمل على إسقاطهم وشل وجودهم الاجتماعي.

إن الإشاعات والأراجيف والدعايات المضادة من أخطر الأسلحة فتكاً وتخريباً في حياة المجتمعات البشرية. ومن هنا دعا الإسلام إلى محاربة الإشاعات التي ينشرها خصوم الإسلام ضد رجالاته وقياداته وأمر بالتروي والفحص عن كل شائعة والتأكد من صحة كل نبأ يذاع أو ينشر قبل تصديقه وقبوله ، قال تعالى : "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". (سور الحجرات ، الآية رقم 6).

إن مجتمعاً تتحرك فيه الكلمة الهدامة للنيل من كرامة الناس وأعراضهم وسمعتهم هو مجتمعاً يتآكل أفراده وتتساقط شخصياته في هاوية التفاهة والإهانة والإحتقار. وإن مجتمعاً يربي وينتج مثل هذه الشخصيات الهزيلة لهو مجتمع مريض ومنحل يتداعى نحو السقوط والغياب.

ومن أبرز الكلمات خطورة الكلمة التي تتجلى في العالم الذي يحدث ويروي الأحاديث والروايات الكاذبة أو يفتي فيضلل الناس ويحرفهم عن وجهتهم الصحيحة لخدمة الحاكم الجائر أو طمعاً في المال ، وهو إنما يعمل على هدم الحياة وتكريس الظلم والفساد وحماية الباطل وإبعاد الناس عن الأمر الواقع وتضليلهم عن الحق ، كما نشاهده هذا الأيام من أولئك المغرضين الذين يبثون الزيف والأراجيف الكاذبة ضد الكيان الإسلامي والعلماء العاملين المجاهدين ، وترويج ما يبثه الإعلام المعادي في قضايا المرجعية الشيعية والدعايات التي يتأثر بها البعض من دون فحص أو علم.

إننا نحذر من الانزلاق وراء هذه الإشاعات المغرضة التي تستهدف المجتمعات من أجل بث الفرقة والتحزب بين أبناء المجتمع الواحد. قال تعالى : "فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". (سورة الأنعام ، الآية رقم 144).


جاروديات : كلمة الجمعة