جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 8 / 4 / 1422هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي اعبادي حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام أبو محمد العسكري عليه السلام في إحدى رسائله لشيعته :

"أوصيكم بتقوى الله ، والورع في دينكم ، والاجتهاد لله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ وفاجر ، وطول السجود ، وحسن الجوار ، فبهذا جاء محمد (ص).

صلّوا في عشائرهم ، واشهدوا جنائزهم ، وعودوا مرضاهم ، وأدوا حقوقهم (وفي نسخة : عشائركم جنائزكم مرضاكم حقوقكم) فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه ، وصدق في حديثه ، وأدى الأمانة ، وحسّن خلقه مع الناس قيل : "هذا شيعي" فيسرني ذلك.

اتقوا الله ، وكونوا زيناً ، ولا تكونوا شيناً ، جرّوا إلينا كل مودة ، وادفعوا عنا كل قبيح ، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله ، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.

لنا حق في كتاب الله ، وقرابة من رسول الله ، وتطهير من الله ، لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب.

أكثروا ذكر الله ، وذكر الموت ، وتلاوة القرآن ، والصلاة على النبي (ص) فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات.

احفظوا ما وصيتكم به ، وأستودعكم الله ، وأقرأ عليكم والسلام".

أيها المؤمنون إننا نعيش في هذه الأيام ذكرى ميلاد الإمام الحادي عشر أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام فبهذه المناسبة المباركة يشرفنا أن نزف ونرفع أجمل آيات التهاني والتبريك لسيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء وللمراجع العظام والعلماء الكرام وللأمة الإسلامية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها.

كما يشرفنا أن نقف على بعض ملامح هذه الشخصية الإسلامية العظيمة ، شخصية الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام من أجل الإفادة والاستفادة منها.

ولد عليه السلام بالمدينة المنورة وقيل بـ (سر من رأى) ، وكما اختلف المؤرخون في مكان ولادته اختلفوا أيضا في تاريخ ميلاده فمنهم من ذهب إلى أنه ولد يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين ومائتين من الهجرة ، ومنهم من قال اليوم العاشر منه أيضا ، ومنهم من قال يوم الاثنين رابعه أيضا ، ومنهم من ذهب إلى أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين ، ومنهم من قال سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، وعلى كلٍّ هذا الاختلاف ليس بعجيب ، حيث اختلف المؤرخون والمسلمون في تاريخ مولد سيد البشر الرسول الأعظم (ص).

نعم ينبغي علينا توظيف هذا الاختلاف لصالحنا والعمل بجميع هذه الروايات بقدر الإمكان ، لكي نخرج بأكبر قدر ممكن من الفائدة من خلال ما يبث ويلقى في إحياء تلك الذكريات الخالدة المباركة.

ولا ينبغي علينا أن نجعل منها مخرجا ، لنفرّ ونهرب منه عن إحياء هذه المناسبات المباركة بحجة ودريعة أننا لا نعلم تاريخ الولادة الصحيح منها.

من النصوص على إمامته :

1. روى الصدوق بسنده عن الصقر بن دلف قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام يقول : "إن الإمام بعدي ابني علي ، أمره أمري ، وقوله قولي ، وطاعته طاعتي ، والإمامة بعده في ابنه الحسن ، أمره أمر أبيه ، وقوله قول أبيه ، وطاعته طاعة أبيه الخ".

2. عن أبي هاشم داوود بن القاسم الجعفري قال : سمعت أبا الحسن (الهادي عليه السلام) صاحب العسكر يقول : "الخلف من بعدي ابني الحسن ، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت : ولم جعلني الله فداك؟ فقال : لأنكم لا ترون شخصه ، ولا يحل لكم ذكره باسمه. قلت : فكيف نذكره؟ قال : قولوا : الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله".

نشأته عليه السلام وسيرته :

نشأ في بيت محاط بالروحانية والنورانية ، في بيت من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، في بيت منزه عن شائبة ، نعم في ذلك البيت نما وترعرع الإمام العسكري عليه السلام حتى اصطفاه الله حافظا لدينه وكتابه واختاره إماما ونورا لبريته ، ومنارا للعباد والبلاد.

وعلى القول بأنه عليه السلام ولد بالمدينة المنورة وهو الأرجح رافق أباه الإمام الهادي عليه السلام في ترحيله ، وإبعاده من مدينة جده (ص) ومسقط رأسه إلى سر من رأى (سامراء) ، وعمره سنتان وقيل أربع ، وعاش مع والده فيها إحدى وعشرين سنة ، تحت غمام المآسي وفي أجواء الاضطهاد والكبت وفي معترك الفتن والمؤامرات.

حتى فُجع الإمام العسكري عليه السلام بوفاة والده الإمام الهادي عليه السلام الذي قضى نحبه مسموما ، فتولى بعده الإمامة وكانت مدة إمامته ست سنين ، فتوجهت إليه سهام الأعداء خلفاء بين العباس مباشرة ، وقاموا بمحاولات شيطانية ، وجهود كافرة لإطفاء نور الله والحيلولة دون ولادة الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف.

ولكن أغلب تلك المحاولات كانت تبؤ بالفشل ، وقد أشار الإمام العسكري عليه السلام إلى تلك الحقيقة حيث قال : "قد وضع بنو أمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلتين :

إحداهما : أنهم كانوا يعلمون أنه ليس لهم في الخلافة حق ، فيخافون من ادعائنا إياها وتستقر في مركزها.

وثانيهما : أنهم قد وقفوا (علموا) من الأخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منا ، وكانوا لا يشكون أنهم من الجبابرة والظلمة ، فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله (ص) وإبادة نسله ، طمعا منهم في الوصول إلى منع تولد القائم عليه السلام أو قتله ، فأبي الله أن يكشف أمره لواحد منهم ، إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".

رسائله عليه السلام :

بالرغم من الضغط والكبت والاضطهاد والرقابة المشددة على الإمام وحركاته وسكناته وعلى من له صلة به ، لدرجة أنه عليه السلام كان يكتب في ورقة : "ألا ، لا يسلمن علي أحد ، ولا يشير إلى بيده ، ولا يومئ ، فإنكم لا تأمنون على أنفسكم" ويرسلها إلى الذين ينتظرون خروجه من بيته ليلتقوا به في أثناء الطريق ، بالرغم من ذلك كله كان عليه السلام ينتهز الفرص ليؤدي متطلبات الإمامة ، ولوازم القيادة في حدود القدرة والإمكان.

فتارة يجيب السائل شفوياً ، وأخرى كتابياً مما نتج عن ذلك مجموعة من الرسائل التي تحمل في طياتها الأحكام الشرعية ، والأمور العقائدية ، والحكم ، والمواعظ ، والنصائح التي بدورها تعالج جميع مشاكل الحياة الفردية والاجتماعية في مختلف المجالات وشتى الجوانب.

فمن هنا أيها المؤمنون علينا أن نهتم بدراسة مثل هذه الرسائل والاستفادة منها بقدر الإمكان لا سيما في ذكرى إحياء مواليد الأئمة الأطهار عليهم السلام ووفياتهم ، وعلى أقل التقادير يمكننا دراسة بعضها من خلال المشاركة ولو حضوراً في إحياء هذه المناسبات الدينية التي محيت ومسحت وأزيلة من ذاكرتنا متناسين حث أهل البيت عليهم السلام لنا على إحياء أمرهم.

وعلى كل حال فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر الرسالة التي افتتحنا بها الحديث ونضعها تحت المجهر لعلنا نخرج منها بفائدة تنفعنا في ديننا ودنيانا.

حقاً لو أمعنا النظر فيها لرأينا أن الإمام العسكري عليه السلام يحثنا فيها على الإلتزام ببعض الأمور التي تحملنا وتنقلنا وتوصلنا إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق وأبواب الكمال ، وتنشلنا من مستنقع الخطايا والذنوب إلى بحر الرحمة والكرم والجود.

نعم .. حثنا الإمام عليه السلام عبر هذه الرسالة على الالتزام بأمور كالتالي :

² التقوى والورع.

² التعايش مع جميع الطوائف الإسلامية.

² الاجتهاد لله.

² ذكر الله.

² صدق الحديث.

² ذكر الموت.

² أداء الأمانة.

² تلاوة القرآن الكريم.

² طول السجود.

² الصلاة على النبي وآله (ص).

² حسن الجوار.

 

هذا والحمد لله رب العالمين.


جاروديات : كلمة الجمعة