جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 16 / 3 / 1422هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون". سورة الأنفال آية 24.

بمناسبة ميلاد سيد الكائنات وخاتم الأنبياء والمرسلين النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم نرفع آيات التبريكات لإمام العصر والزمان عجل الله فرجه وللأمة الإسلامية بهذه المناسبة العظيمة في تاريخنا المجيد ، سائلين المولى عز وجل أن يعيدها علينا والأمة تعيش انتصاراتها على أعدائها الحاقدين.

ونحن نعيش في أجواء هذه المناسبة الكريمة يجدر بنا الحديث عن المعطيات الكبيرة التي أرساها النبي الأعظم لهذه الأمة والتي استهدفت الدعوة لهذا الدين كرسالة إلهية خالدة لإصلاح البشرية وحفظ نظام الحياة من خلال الغاية النهائية لرسالة الإسلام التي تنصب على توحيد الله وعبادة البشر للخالق العظيم وبناء الحياة بنظام متكامل يرتكز على ثلاث ركائز وهي :

1.  العقيدة : وهي مجموعة من المفاهيم الإيمانية تعمق إيمان الإنسان بخالقه بعقيدة التوحيد التي تؤمن بإله أحد متصف بكل صفات الغنى والكمال المطلق وهي تبتنى على الإيمان بالله والإيمان بالوحي وبالنبوة وما يرتبط بها من رسالة وإمامة والإيمان بالحياة الآخرة وبالبعث والقيامة والجزاء.

2.  التشريع : وهو النظام المتكامل الذي يصيغ الحياة بما جاءت به الشريعة الإسلامية من أحكام تكليفية ألزمت بها الإنسان في جميع مجالات الحياة الاجتماعية منها والتعبدية من شؤون القضاء والاقتصاد والمال والتجارة والميراث والزواج والطلاق هذا في المجال الاجتماعي  أما الجانب التعبدي فالصلاة والصوم والحج والطهارة فقد قامت الشريعة الإسلامية بتحديد الأحكام والتشريعات اللازمة لرسم العلاقة مع الله سبحانه ، هذا وقد حفلت الموسوعات الفقهية والدراسات الإسلامية بأنضج قانون وأوسع تنظيم منهجي للحياة.

3.  الأخلاق والآداب الاجتماعية : لقد اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بالجوانب السلوكية والأخلاقية والآداب الاجتماعية في حياة الإنسان وأصدق مظهر من مظاهر هذا الاهتمام ما قاله نبي الإسلام " إنما بعث لأتم مكارم الأخلاق " فرسالة الإسلام رسالة أخلاقية تربوية تستهدف إعداد الإنسان وبنائه وصياغته بالملكات الفاضلة.

ومن خلال هذه الركائز الثلاث نستنتج ما يأتي :

1.  توثيق الصلة بين الإنسان وخالقه وتعريفه بربه وبالمسؤولية تجاهه وتنظيم علاقة الخلق بالخالق. وهذا الجانب من أهم الجوانب المصيرية في حياة الإنسان وأبعدها أثراً في مصيره ، لأن معرفة الله والارتباط به معناه معرفة الهدف من وجوده في هذه الحياة ، قال الله تعالى : " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ". سورة المؤمنون آية 115-116.

2.  حفظ نظام الحياة ببناء الإنسان وتكامله وحمايته من الانحراف والضياع. قال الله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ". سورة الأعراف آية 157.

فهذه هي أهداف الإسلام ورسالته قد لخصها القرآن في محاربة الفساد والرذيلة وتحديد منهج التشريع والقانون الذي يوضح طريق الحياة ويحفظ الأمن والنظام وينقد الإنسان من ظلمات الذنوب والآثام.

وما أجمل تعبير القرآن في الآية الكريمة في قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ". سورة الأنفال آية 24.

أيها الأخوة المؤمنون :

تعيش الأمة الإسلامية في مرحلتها المتأخرة حالة من التخلف الفكري والثقافي والتبعية الثقافية في  المفاهيم والأفكار للمدارس الغربية حتى كادت تغيب الهوية الأصلية للفكر الإسلامي الأصيل وتختفي من ثقافة المسلم الأبعاد الدينية والمعارف الإسلامية ، حتى كأن هذه الأمة لا تملك أصالة فكرية ولا هوية عقائدية مستقلة وهذا ما نجده في الجامعات والمدارس والإعلام وما يتباهى به البعض من الانتماء في أفكاره وأراءه إلى المدارس الغربية أو الشرقية مما أدى إلى انحراف جيل الشباب عن الخط الديني الأصيل الذي جاهد العلماء والمفكرون الإسلاميون على الحفاظ على هويته من التغريب والتحريف والتزييف والعبث فيه.

واليوم تجري محاولات لعرض الإسلام بالشكل المناسب للحياة الغربية وذلك من خلال قتل روح الدين في الأجيال المسلمة وإظهار المتدينين أنهم متخلفون عن ركب الحياة ووصفهم " بالرجعية " وما إلى ذلك من أساليب خبيثة وأفكار مسمومة تستهدف النيل من الإسلام ومقدساته ومرتكزاته العقائدية والتشريعية.

لذا يتوجب على المفكرين الإسلاميين ودعاة الإسلام أن يوضحوا هذه الحقيقة ويراقبوا الحركات الفكرية ويرصدوا محاولات التحريف والدس في الفكر الإسلامي للحفاظ على أصالته وسلامته.

ويجب على شبابنا المثقف أيضاً الحذر من أولئك الذين يدعون أنهم من حملة الفكر الإسلامي وأنهم حملة التجديد والتطوير وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن فهم الإسلام ونصوصه المقدسة. يجب علينا أن نأخذ الفكر الديني من حملته وهم العلماء والحوزات الدينية والذين يحملون الوعي والثقافة الإسلامية الأصيلة من فقه وفكر أهل البيت عليهم السلام.

وختاماً نسأل الله أن يعيد علينا هذه المناسبة العظيمة والأمة الإسلامية تعيش أمجاد النصر والغلبة والحمد لله رب العالمين.


جاروديات : كلمة الجمعة