جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 2 / 3 / 1422هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين ". سورة النحل آية (89).

لقد بعث الله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب الإلهي الذي ضم بين دفتيه النواميس الإلهية والشريعة السمحاء ، وضمن لهم السلامة في الدين والدنيا باتباعه والسير وفق الأهداف الإلهية التي احتواها هذا الكتاب العظيم.

ثم أردف الكتاب بالثقل الإلهي الكبير الذين يعلمون محتواه ومضمونه ناسخه ومنسوخه وهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ، فكانت الأمة على هذه المنهجية الإلهية حتى رحل صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى ، حتى بدأت الخلافات تعوم على سطح الأحداث لتخرج النفوس المريضة أطماعها بالخلافة والنبي على فراش الموت فتحولت الخلافة الإسلامية عن مسارها الإلهي الذي أراده الله سبحانه وتعالى لها وخرجت عن خطها المحدد لها لتنتهج نهجا آخر بعد أن نحي الإمام علي عليه السلام عن حقه وأجلس في داره وتقمصها غيره.

في هذه المرحلة الخطيرة في تاريخ الإسلام برز التشيع والذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله خطا إسلاميا ومنهجية دينية أصيلة ينتهي في أفكاره وأراءه إلى أهل البيت عليهم السلام ليحدد في تلك الحقبة الزمنية أحقية المنهجية الربانية الأصيلة المتمثلة في علي عليه السلام وأبنائه الطاهرين الذين توارثوا ما عند جدهم الرسول الأعظم من علوم وكانوا يتناقلون ذلك فيما بينهم صدرا عن صدر فكان لديهم :

1.  كتاب علي الذي هو من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط أمير المؤمنين عليه السلام فقد جاء في الرواية عن الصيرفي قال : كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فجعل يسأله الحكم وكان أبو جعفر له مكرما فاختلفا في شيء فقال أبو جعفر يا بني قم فأخرج كتاب علي عليه السلام فأخرج كتابا مدرجا عظيما ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة فقال أبو جعفر عليه السلام هذا خط على عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل على الحكم وقال : يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرائيل.

2.  الجامعة : ففي صحيحة أبي بصير " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له جعلت فداك إني أسألك عن مسألة هاهنا أحد يسمع كلامي ؟ قال فرفع أبو عبدالله عليه السلام سترا بينه وبين بيت آخر فأطلع فيه ثم قال يا أبا محمد سل عما بدا لك ، قال قلت جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله علم عليا بابا يفتح له منه ألف باب ، فقال : يا أبا محمد علم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب قال : قلت هذا والله العلم ، قال فنكث ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم وما هو بذلك. ثم قال : يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ، قال : قلت جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال : صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي عليه السلام بيمينه ، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إليّ فقال : تأذن لي يا أبا محمد قال : قلت جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت قال فغمز فيّ بيده وقال : حتى أرش هذا كأنه مغضب."أصول الكافي"

فهذا تراث رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يمثل الأطروحة الربانية المتكاملة التي جاءت بها القدرة المطلقة الخالقة المبدعة على الكيان البشري في مرحلته الخاتمية والذي حمله أهل البيت عليهم السلام في دورهم الريادي والقيادي وتحملوا من أجل ذلك أشد التنكيل والمعاناة من صور القتل والظلم والاضطهاد والسجن والتعذيب. كل ذلك لأنهم حافظوا على الهوية الإسلامية الأصيلة والمنهجية الربانية القويمة لهذا الدين الإلهي الذي ختم الله به الرسالات السماوية للبشرية.

ثم جاء دور العلماء والفقهاء ممن دان بهذا المذهب الحق ليكملوا المسيرة الربانية لهذه المدرسة الإسلامية "مدرسة أهل البيت" في الحفاظ على معالم هذه المنهجية التشريعية وتدوين الفقه الإسلامي الأصيل الذي يمثل النصوص الروائية المنقولة عن أهل البيت عليه السلام ، حيث كانت الأصول الأربعمائة الروائية ثم عوضت بالكتب الأربعة ثم جاء دور شيخ الطائفة الطوسي وقام بنقلة كبيرة في تدوين الفقه بأوسع أبوابه الاستدلالية وتوسع هذا الاستدلال بشكل أكبر في زمان المحدث الكبير فقيه أهل البيت عليهم السلام الشيخ يوسف البحراني الذي ختم تلك المرحلة بأبلغ ما يمكن أن يتصور للاستدلال فكان كتاب الحدائق الناضرة يمثل ذلك النتاج العلمي الكبير.

إن الشريعة الإسلامية بحاجة إلى تجديد المنهجية المثلى في كل عصر بما يلائم ظروف العصر ومقتضيات الحياة مع الحفاظ على النص الشرعي دون زيادة أو نقصان ووفق القواعد المقررة في مذهب أهل البيت.

وللحديث تتمة نتركه للجمعات الآتية إنشاء الله.


جاروديات : كلمة الجمعة