جاروديات : كلمة الجمعة

كلمة الجمعة الموافق 24 / 2 / 1422هـ في مسجد الحصمية

لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ". سورة النور آية (30 ، 31).

لقد جاء الإسلام بمجموعة من الأحكام والقوانين الإلهية والتشريعات الربانية من أجل صياغة الإنسان وبنائه وفق الإرادة الكونية التي أرادها الله له في هذه الحياة والتي تحدد مسار الإنسان في الإطار التكاملي للوصول إلى الدرجات العالية في الدنيا والآخرة.

ويأتي قانون الحجاب في طليعة القوانين الشرعية التي قررها الإسلام وفرضها على المرأة لضمان سعادتها والحفاظ على عفتها وكرامتها ، فنادى بإنسانيتها وعظمة دورها وسمو مكانتها ، فأحاطها بهذا التشريع الإلهي الذي يجلب لها الحياء والاحتشام والعفاف ويحفظها من النظرات الحيوانية الجامحة.

الحجاب هو الوسيلة الوقائية التي تحجب مفاتن المرأة من عوامل الإثارة المستمرة والتي تسبب اهتزاز النظام العام في المجتمعات البشرية. فلا يوجد أحد لا يعرف أخطار السفور وملحقاته والتي تهدد استقرار حياة المجتمعات وانحراف سلوك أبنائها عن القيم والعادات المثالية وإن ما تعانيه المجتمعات الغربية من جرائم وتفشي الرذيلة والانحطاط الخلقي وتفشي العلاقات الغير مشروعة وولادة الأطفال الغير شرعيين وعمليات الإجهاض كل ذلك كان من مخاطر التبرج والسفور. ومن هنا أراد الإسلام أن يحفظ المجتمع الإسلامي ويصونه من الانزلاق والضياع فجعل الحجاب رسالة إلهية للحفاظ على إنسانية المرأة وكرامة الأسرة وشعارا يرمز إلى الاتزان السلوكي وحرزا منيعا يحفظ المرأة من الفساد والمفسدين والدرع الواقي الذي يحفظها من السوء والسقوط في الرذيلة والفضيحة.

لقد شرع الإسلام الحجاب الذي يحقق الهدف الإلهي الذي أراده الله سبحانه لا الحجاب الناقص الذي لا يستر المرأة سترا كاملا ولا يصون محاسنها التي وهبها الله لها ولا يحفظ عفافها ونزاهتها وطهارتها وسلامتها من أعين الخائنين.

وما نشاهده هذه الأيام من تفشي عادات غريبة على مجتمعاتنا الإسلامية يدعونا إلى الوقوف بجدية أمام هذه الظواهر الخطيرة والدخيلة بسبب التقاليد الجديدة والمظاهر الغريبة في نوعية الألبسة التي تخرج اللباس عن كونه لباسا شرعيا يجسد مفاتن المرأة ومحاسنها وزينتها للناظرين.

فظهور "النقاب" ومسميات أخرى للألبسة الجديدة التي أخذت بالظهور والشيوع يدعونا إلى بيان الحكم الشرعي في اللباس الشرعي الذي أقرته الشريعة الإسلامية ورخصته فقد ثبت في الشريعة الإسلامية أحكام خاصة بلباس المرأة وزينتها من دون تحديد شكل خاص بشرط أن تتوفر فيه الشروط الآتية :

1.  أن يستر اللباس جسد المرأة وشعرها عن الرجال الأجانب عدا الوجه والكفين عند بعض الفقهاء إلا مع خوف الوقوع في الحرام أو كونه بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرم فيحرم الإبداء حينئذ. وفي مجتمعاتنا يترتب على الإظهار مفاسد كثيرة ولو جلب التهمة. فحينئذ على الشرط المذكور ينتفي جواز إظهار الوجه والكفين.

2.  ألا يكون رقيقا يظهر ما تحته من الجسد وشفافا لدرجة أن وجوده وعدمه شيء واحد.

3.  ألا يكون اللباس مثيرا ومغريا يظهر زينة المرأة وجمالها ، قال الله تعالى : "ولا يبدين زنتهن إلا ما ظهر منها".

4.  ألا يكون متشابها بلباس الرجل كما يحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في زينته ولباسه ، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" وكذلك يحرم على المرأة أن تظهر عطرها وزينتها للرجال الأجانب كأن تتجول في الأسواق أو تحضر الإجتماعات المختلطة لإن العطر أحد المسببات للإثارة فقد روي في الحديث عن رسول الله (ص) : "أي امرأة تطيبت ثم خرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى رجعت".

ومن هنا كانت أطروحة الإسلام في الزي المحتشم لصياغة العلاقة بين الرجل والمرأة صياغة خاصة تستهدف حفظ التوازن في المجتمع الذي يقيمه الإسلام إضافة إلى حرصه الشديد على العفة والطهر وسلامة العلاقة بين الجنسين وإشاعة العفة والكرامة بين الناس لا كما فهم البعض أن القصد في تشريع الحجاب خدش كرامة المرأة أو حجزها عن أداء رسالتها في الحياة فالحجاب لا يمنع المرأة من الثقافة وطلب العلم والتسابق في الميادين المختلفة والوصول إلى المراكز الحساسة والمهمة كما وصلت المرأة المسلمة في تاريخنا الإسلامي وضربت أروع الأمثلة في القرون الأولى ولقد سجلت خديجة وفاطمة الزهراء (ع) أروع الأمثلة وأجلها في تحمل أعباء الرسالة الإلهية يوم وقفت مدافعة عن كيان هذا الدين وكذلك ما قامت به زينب الكبرى بنت علي ابن أبي طالب عليه السلام يوم أدت رسالة أبي عبدالله الحسين بعد ثورته الخالدة على الحكم الأموي وبينت أهداف الثورة الحسينية العظيمة وكشفت القناع عن وجوه الظلمة والطغاة في الكوفة ودمشق والمدينة المنورة وكذلك حفظ أسرى آل محمد من الضياع والهلاك. إن التاريخ ليقف خجلا أمام تلك المرأة العظيمة التي يدين لها الإسلام والمظلومون بكثير من الفضل لما بذلته من صمود وصبر وعطاء على طريق الحق ومقارعة الظالمين ، فسلام على قلب زينب الصبور ولسانها الشكور وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


جاروديات : كلمة الجمعة