كلمة الجمعة
الموافق 17 / 2 / 1422هـ في مسجد الحصمية
لفضيلة
الشيخ علي المعلم حفظه الله
قال الله تعالى : "إنما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا".
أيها
الأخوة المؤمنون عظم الله أجورنا وأجوركم
بوفاة ثامن الحجج الإلهية والأنوار القدسية
أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين.
نقف وإياكم على صفحات من تاريخه المجيد الذي
يمثل قمة الفكر الإسلامي في عصره وأحد أسرار
الرسالة السماوية والمفاتيح الغيبية وثمرة
من ثمرات الرسول الأعظم للأمة أوضح الله به
السبل وأنار به المثل فجعله الله حافظا لدينه
وقيوما على شريعته ، فكان عليه السلام مرجعا
للأمة في جميع المعارف والعلوم من الفلسفة
وعلم الكلام والطب والفقه وقد دلل على ذلك
مناظراته مع كبار الفلاسفة وعلماء الأديان
اللذين جلبهم المأمون من مختلف أقطار الدنيا
لمناظرته فسألوه عن أعقد المسائل حتى ورد
أنهم سألوه عن أكثر من عشرين ألف مسألة في
مختلف العلوم فأجابهم جواب العالم الخبير
المختص فتعجبوا من سعة علومه حتى دان
الكثيرون بإمامته. وقد دونت هذه المناظرات في
كتب التاريخ ونقلها مؤرخو الشيعة والتي تعتبر
من أعمق المناظرات في المعارف البشرية والتي
تدلل على أنه من عمالقة الفكر والعلم في دنيا
الإسلام. تناول الإمام عليه السلام علم الطب
في رسالة خاصة كتبها بطلب من المأمون سميت "الرسالة
الذهبية" وهي تعتبر
من أهم ما كتب في هذا العلم وقد انبرى جمع من
العلماء لشرحها ومقارنتها مع الطب الحديث.
وتناول الإمام عليه السلام الفقه الإسلامي في
رسالة خاصة سميت "جوامع
الشريعة" وقد جمعت الأحكام الشرعية
وأهم المسائل الفقهية وتعتبر هذه الرسالة من
مصادر الفقه الإسلامي والتي أصبحت فيما بعد
متنا لشروح العلماء والمحققين في استنباط
الأحكام الإلهية ومعرفة الحلال والحرام في
الإسلام.
أما
حياته السياسية فقد برز الإمام الرضا عليه
السلام على مسرح الحياة السياسية كألمع سياسي
عرفه التاريخ الإسلامي فلم تخدعه الأساليب
البراقة ولا الأماني المزيفة التي تظاهر بها
المأمون من تنازله عن العرش وترشيحه له فلم
يكن صادقا في أي حال من الأحوال وإنما كان
لأغراض سياسية من أهمها القضاء على الثورات
العلوية التي كادت تطيح بالحكم العباسي وكذلك
جلب عواطف القوى الموالية لأهل البيت إلا أنه
عليه السلام وتحت وطأة التهديد والتوعيد
بالقتل استجاب "لولاية العهد" وهو مكره
على ذلك. وإن من يقف على تاريخ تلك المرحلة يجد
مواقف الإمام الرضا المعلنة تجاه الحكم
العباسي المتمثل في شخص المأمون والذي كان
يحرجه في مواقف كثيرة حتى تأزم الوضع فدبر
مؤامرة لاغتيال الإمام فشدد الرقابة عليه
وحدد اتصالاته بالناس ودس له السم فاستشهد
عليه السلام متأثرا بحرارة ذلك السم.
وتحدثت
كتب التاريخ عن رحلة الإمام الرضا عليه
السلام إلى مرو عاصمة الخلافة العباسية فكان
يستقبل استقبالا كبيرا في كل بلد يحل فيه
وحينما دخل مدينة نيشابور أحاط به العلماء
ورواة الحديث فقالوا : أيها السيد الجليل وابن
السادة الأئمة بحق آبائك الطاهرين إلا ما
رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك محمد صلى الله
عليه وآله وسلم نذكرك به
فتوقف الإمام والناس ينظرون إليه بين باك
وصارخ حتى علا الضجيج فصاح الأئمة والفقهاء
معاشر الناس اسمعوا ماذا يقول علي بن موسى
فقال عليه السلام : "حدثني
أبي عن أبيه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه
زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي أنه
قال حدثني حبيبي رسول الله (ص) قال حدثني جبريل
قال سمعت رب العزة سبحانه وتعالى يقول كلمة
"لا إله إلا الله" حصني فمن قالها دخل
حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي" فلما أرادت
الناقة أن تتحرك قال بشرطها وشروطها وأنا من
شروطها ، فعدت المحابر والأقلام فوجدوها
عشرين ألف محبرة.
استشهد
عليه السلام في سنة 203هـ ودفن في بلدة طوس
والتي تعرف اليوم بمدينة مشهد الإيرانية
فرثاه الشعراء ومن بينهم شاعر أهل البيت دعبل
الخزاعي :
|
بطوس عليك الساريات
هتون
فأبكيك أم ربيب الردى فيهون
|
|
ألا أيهـا القـبر
الغريب محـله
شككت فما أدري أمسقي بشربة
|
فأصبح
مرقد الإمام الرضا عليه السلام من أعظم
المراقد في الإسلام حضي بالإكبار والتقديس
والإجلال من بين المراقد ، قد تهافتت
الملايين من أنحاء العالم لزيارته والتبرك به
والاستشفاء تحت قبته الشريفة فقد ورد في
الأحاديث ما تواتر في فضل زيارته.
1.
قال رسول
الله صلى الله عليه وآله : "ستدفن
بضعة مني بأرض خراسان ما زارها مكروب إلا نفس
الله كربته ، ولا مذنب إلا غفر الله ذنبه".
2.
وقال أمير
المؤمنين عليه السلام : "سيقتل
رجل من ولدي بأرض خراسان بالسم ظلما أسمه أسمي
واسم أبيه أسم ابن عمران عليه السلام ، ألا
فمن زاره في غربته
غفر الله عز وجل ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر
ولو كانت مثل عدد النجوم وقطر الأمطار وورق
الأشجار".
3.
وقال
الرضا عليه السلام لأحد شيعته : "أبلغ
شيعتي أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجة وألف
عمرة متقبلة كلها".
4.
وقال
الرضا عليه السلام أيضا : "فمن زارني
على بعد داري ومزاري أتيته يوم القيامة في
ثلاثة مواطن حتى أخلصه من أهوالها إذا تطايرت
الكتب يمينا وشمالا وعند الصراط وعند الميزان".
5.
وقال
الإمام الجواد عليه السلام : "من زار
أبي له الجنة".
ونحن
نتطلع في هذا العام المبارك إلى هذا التوفيق
الإلهي والنعمة المباركة لزيارة هذا الإمام
العظيم ينبغي لنا أن نراعي الحرص على
الاستفادة من زيارته بالحصول على المكتسبات
الروحية والأخلاقية وكذلك الفوائد الفكرية
والثقافية التي يتوخاها البعض من الزيارة
ويحرص على الحصول عليها.
أيها
الأخوة المؤمنون : ينبغي لنا الحذر في هذه
الأيام من أولئك الذين يسعون إلى تمزيق الصف
الإسلامي من خلال نشر المناشير التي تنال من
الطائفة الشيعية في وقت تمر الأمة الإسلامية
بأصعب التحديات في مواجهة الصهيونية والقوى
الشيطانية وفي وقت يتساقط أبناء الشعب
الفلسطيني على أيدي الصهاينة الغاصبين.
ينبغي
أيها الأخوة الحذر من تلك الفئات التي تتستر
تحت عباءة الدين والعقيدة والأعمال الخيرية.
إن
الأمة الإسلامية بحاجة إلى توحيد صفوفها
وتجميع طاقاتها لمواجهة هذه التحديات الصعبة
لا لتمزيق وحدتها بهذه الأساليب الدنيئة.
وعلى
هؤلاء أن يتوجهوا المحاربة اليهود الغاصبين
بدل النيل من الطائفة التي تمثل نصف المسلمين
الذين يدينون بها وبمعتقداتها.