كلمة الجمعة الموافق 26 / 1 / 1422هـ في
مسجد الحصمية لفضيلة الشيخ علي المعلم حفظه
الله
قال الله تعالى : "وجعلنهم أئمة
يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا
عابدين". الآية 73 من سورة الأنبياء
أيها الأخوة المؤمنون : بمناسبة
شهادة الإمام علي بن الحسين زين العابدين
عليهما السلام نقف وإياكم على عبقات من سيرته
العطرة وملامح شخصيته العظيمة والتي قدر لها
كما يقول المفكر الإسلامي الكبير الشهيد
الصدر قدس سره "أن تَسَلَّمَ المسؤولية
والقيادة الروحية للأمة بعد استشهاد أبيه
الإمام الحسين (ع) ، فمارسها خلال النصف
الثاني من القرن الأول في مرحلة من أدق
المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية وقتئذ
، وهي المرحلة التي أعقبت موجة الفتوح الأولى"
فقد امتدت هذه الموجة بزخمها الروحي وحماسها
العسكري والعقائدي فزلزلت عروش الأكاسرة
والقياصرة وضمت شعوبا مختلفة وبلادا واسعة
إلى الدعوة الجديدة ، وأصبح المسلمون قادة
الجزء الأعظم من العالم المتمدن خلال نصف قرن
، وعلى الرغم من أن هذه القيادة جعلت من
المسلمين قوة كبرى على الصعيد العالمي ،
فإنها عرضتهم إلى خطرين كبيرين
الأول :
الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين على
ثقافات متنوعة وأعراف تشريعية وأوضاع
اجتماعية مختلفة
والثاني :
ما نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع
الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل
والتعلق بالمادة والبعد عن القيم الروحية
والأخلاقية والانسياق مع ملذات الدنيا وحب
الشهوات
هناك انصرف الإمام السجاد (ع)
لممارسة دوره الريادي في إطار التوعية
الدينية والتوجيه الروحي والعمل الاجتماعي ،
حتى أصبح قدوة المؤمنين ومحجة للعلماء
والمفكرين. وذلك من خلال شهادة العلماء في ذلك
العصر
قال الزهري : لم أدرك أحداً من أهل
هذا البيت أفضل من علي بن الحسين ع
وقال سفيان بن عيينه : ما رأيت
هاشمياً أفضل من علي بن الحسين (ع) ولا أفقه
منه
ويتلخص دور الإمام السجاد (ع) في
المجالات التالية
المجال الروحي والخلقي :
كانت سياسة الظالمين من بني أمية تفضي إلى
إشاعة أجواء الغناء واللهو والترف في أوساط
الناس ، كي ينصرفوا عن التفكير في قضاياهم
المصيرية ، وممارسات الخلفاء العابثة ،
فتحولت بسبب ذلك المدينتان المقدستان مكة
والمدينة إلى مواطن للمغنين والمغنيات. وحاول
الإمام (ع) أن يخفف من طغيان هذا الجو المادي
بتوجيه المسلمين وتعميق ارتباطهم بالله
والقيم والأحكام الإسلامية ، فاستخدم الدعاء
كوسيلة تربوية وإصلاحية ، تبدأ بتطهير الذات
من الداخل لنتجسد في الخارج واقعا وسلوكا
نظيفا ونافعا
فأثار في أدعيته المباركة كل
القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع إذ عَلَّم
المسلمين كيف يمجدون الله ويحمدونه وكيف
يتطهرون بالتوبة من ذنوبهم وكيف يتعاملون مع
الآخرين وكيف يمسكون بفاضل الأعمال
والواجبات. وكذلك إيصال الفكر الإسلامي
الأصيل إلى القلوب الواعية من خلال ما سطره من
أدعية وكلمات في الصحيفة السجادية والتي عالج
فيها جوانب كثيرة من شئون الحياة في مجالاتها
المختلفة الاجتماعية والثقافية والروحية
والسياسية
المجال العلمي والفقهي :
كرس الإمام السجاد (ع) اهتماما كبيرا في هذا
الجانب من أجل بناء قيادات تتحمل المسئولية
والإرشاد الديني. حتى أصبح مجلسه مأوى
العلماء والفقهاء أمثال أبو حمزة الثمالي
وسعيد بن المسيب ، وجابر بن يزيد الجعفي
وطاووس اليماني وسعيد بن جبير والزهري وغيرهم
من أرباب العلم والمعرفة. وما أملاه في رسالة
الحقوق على تلميذه أبي حمزة الثمالي يوضح لنا
جليا هذا الدور حيث تعتبر هذه الرسالة من أدق
الرسائل الحقوقية
المجال الاجتماعي والإنسان :
اشتهر الإمام السجاد (ع) بعطفه على الطبقات
الفقيرة فقد جاء في الروايات أن كان يخرج في
الليالي الضلماء فيحمل الجراب على ظهره حتى
يأتي باباً باباً. وقال سعيد ابن المسيب : فقد
الناس صدقة السر عند موت زين العابدين. وكان
يشتري في كل عام مئات من العبيد ليحررهم في
العيدين حتى لقد أسماه بعضهم بمحرر العبيد.
وأن حب الناس للإمام عليه السلام ومدى
تقديرهم لهذه الشخصية العظيمة يظهر جليا في
حادثة استلام الحجر الأسود عندما أقبل هشام
بن عبد الملك بن مروان ليستلم الحجر الأسود
فلم يستطع فنصب له كرسي وجلس يشاهد الحجيج حتى
أقبل زين العابدين فانفرج الناس له فطاف حول
البيت واستلم الحجر وهم ينظرون إلى جماله
الهاشمي ويقبلون يديه ويلثمون رجليه ، فسأل
أحد الشاميين هشام من هذا فاستنكف أن يقول
الحقيقة فقال لا أعرف فقال الفرزدق الشاعر
المعروف إن كان الخليفة لا يعرفه فأنا أعرفه ،
فأنشد قصيدته الغراء في مدح زين العابدين
والتي تعتبر من أروع القصائد الشعرية ومنها
|
عندي
بيان إذا طلابه قدمـــوا
والبيت يعرفه والحل والحـــرم
أمست بهدي هداه تهتدي الأمـم
بجده أنبياء الله قد ختمــــوا
العرب تعرف من أنكرت والعجم
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلـم |
|
يا
سائلي أين حل الجود والكرم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
هذا علي رسول الله والــده
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
وليس قولك من هذا بضائـره
يكاد يمسكه عرفان راحتــه |
وفقنا الله وإياكم للسير على خطاه
والتمسك بعرى هديه العظيم